.
.
.
.

إذا لم يكن غير العداوة مركباً فما حيلة المضطر إلا ركوبها

حمد بن عبدالله اللحيدان

نشر في: آخر تحديث:

في الآونة الاخيرة بدأت تتسارع الاحداث وتتغير المواقف وتعلو وتيرة التشدد والاستقطاب، وتتغير التحالفات ويزداد الشك وتقل المصداقية، وكل ذلك يهدف الى تحقيق هدف مرسوم يتم السعي للتوصل اليه من خلال التلاعب بالولاءات بطريقة توصل الى نقطة التوريط لجعل المنطقة تلتهب بكاملها..

ولعل اكبر المؤشرات على تلك الخطوات المتسارعة ما يلي:

*- الاعلان المفاجئ لانسحاب القوات الروسية من سورية لم يأت من فراغ بل أتى نتيجة خطوة مدروسة لها ابعاد عديدة يتمثل بعض منها في ان هناك اتفاقا سريا اميركيا - روسيا لإنجاح المحادثات في جنيف، او ان الروس قرروا الا يتورطوا اكثر او انها وسيلة لتحفيز التدخل البري في سورية والذي لن تشارك فيه كثير من الدول في ظل الوجود الروسي هناك، لان مثل هذا التدخل سوف يفضي الى الصدام الحتمي معها وهذا سوف يوسع نطاق الحرب الى خارج المنطقة وفي نفس الوقت سوف يمنع المواجهة المباشرة بين الدول العربية وتركيا من جهة، وايران من جهة اخرى في سورية وهو الذي يخطط له.

اما في ضوء الانسحاب الروسي فإن التدخل البري في سورية سوف يكون جذابا ويضمن الصدام مع الجانب الايراني وهذا كفيل بتوسيع الحرب على مستوى المنطقة ما يؤدي الى مواجهة مباشرة بين ايران ودول الخليج وتركيا وهذا ما تسعى وكالات الاستخبارات الاسرائيلية وغيرها من اجله لان الكل في هذه الايام يسعى الى خراب المنطقة بعد نجاح مساعي الخراب في سورية والعراق واليمن. وفي حالة حدوث حرب لا قدر الله فسوف يتم دعم جانبي الصراع حتى يستمر الصراع اطول مدة ممكنة لان هذا سوف يعزز الاقتصاد الذي يعاني من كساد هناك لان مثل هذا الصراع سوف يحرك عجلة الصناعات الحربية هناك.

نعم خريطة الشرق الاوسط الجديد لن تتحقق الا من خلال تدمير المنطقة بكاملها وذلك من اجل عقود إعادة الاعمار، وما حدث في العراق وسورية ليس الا البداية فالهدف ان تمتد تلك الفوضى والاقتتال وفقدان مقومات الدولة الى كل من تركيا ومصر ودول الخليج. فتركيا اليوم هدف استراتيجي والسبب ان الحراك الايجابي التنموي والتقدم الاقتصادي فيها وبروز الدور الاسلامي لتركيا امر غير مرغوب فيه لان ذلك يذكر بسطوة الدولة العثمانية على اوروبا التي ترتب عليها تحالف الدول الارووبية والصهيونية العالمية ضد الدولة العثمانية حتى آلت الى الرجل المريض الذي تم الاجهاز عليه في الحرب العالمية الاولى ثم قسمت تركته (سايكس – بيكو).

اما المملكة بصورة خاصة ودول الخليج بصورة عامة فهي اصبحت تملك القدرات الاقتصادية والبشرية وتحث الخطى نحو صنع مستقبل زاهر ناهيك عن وجود الحرمين الشريفين بالاضافة الى قيادة المملكة للعالم العربي والاسلامي وهذا امر غير مرغوب فيه ايضا لانه يتعارض مع مخططات التوسع الاسرائيلي ويتعارض مع الرغبة في بقاء المنطقة متخلفة حتى لا تهدد الحضارة الغربية كما نظر لذلك صموئيل هتنجتون.

ومن اجل إجهاض ذلك جاء التحالف الاسرائيلي - الايراني الذين جمعهما الحقد والكره والثأر من العرب من ناحية، وجمعهما الطمع والاستحواذ وتقاسم النفوذ والادوار في المنطقة من جهة أخرى وذلك لتحقيق الاهداف الانفة الذكر وفي سبيل تحقيق ذلك وجدوا ضالتهم في الطائفية فحركوا نارها وأشعلوا لهيبها لتقضي على الاخضر واليابس ولتحقيق ذلك زرعوا المنظمات الارهابية وألبسوها عباءة اسلامية وذلك مثل القاعدة وداعش وحزب الله والمليشيات في العراق، فالحراك التخريبي لكل تلك المنظمات ينصب على الداخل الاسلامي واكبر همها تفريق الكلمة وقتل الانفس البريئة وتدمير المنجزات واعاقة التقدم وتشويه صورة الاسلام وتجذير الاقتتال وتفريق الامة وتمهيد الطريق نحو مواجهات وحروب بين المكونات الاسلامية فمن المستفيد؟

هذا وقد اخذت ايران على عاتقها تبني ودعم تلك التنظيمات بكل الوسائل والسبل اعلاميا وماديا وعسكريا ولذلك اصبحت ايران اكبر المتزعمين لخلخلة المنطقة وعدم استقرارها. وقد ساعدها على ذلك غياب الحسم طوال العقود الماضية حتى بلغ السيل الزبى حيث اتت عاصفة الحزم لتعصف باحلامهم في اليمن والتي اخذت تباشير النصر فيها تتوالى.

وتمثل ايضا في الحراك ضد حزب الله الذي يمثل ذراع الحرس الثوري في لبنان والذي يعتبر مسؤولا عن ذبح الشعب السوري وعن تعطيل جميع مظاهر الحياة والاستقرار في لبنان بالاضافة الى بسطه للنفوذ الايراني هناك ناهيك عن حراكه التخريبي في دول الخليج ولعل تصنيف حزب الله كمنظمة ارهابية من قبل دول الخليج حتى لو جاء متأخرا يعتبر جزءا من الحزم والحكمة توجب ان يتم التعامل مع حزب الشيطان هذا من خلال المواجهة المباشرة فالسن بالسن والعين بالعين والبادئ اظلم.

اما رعد الشمال فهي تلميح وتصريح بأن الحزم مع الارهاب قد بدأ ولن يتراجع خطوة واحدة ومن راهن على الفرقة يرى بأم عينيه وحدة الصف ووحدة الهدف ووحدة السلاح. واختيار اسم رعد الشمال وانطلاقها في شمال المملكة تعبير قوي عن ان اي تهديد ارهابي يأتي من تلك الجهة سوف يقابل بحزم وحسم ايا كان مصدره. ولا شك في تعزيز تلك المنطقة باكثر من مدينة عسكرية.. آخذين بعين الاعتبار ان الانفاق الحربية اصبحت من اكثر استراتيجيات الحروب الحديثة نجاحا لانها من اهم وسائل مقاومة الغارات الجوية والصواريخ البالستية وغيرها.

نعم رعد الشمال تتوازى مع رعد الجنوب وتعززها ومن يعتدِ نسقِه الموت الزؤام.

أجل نحن الحجاز ونحن نجد

هنا مجدٌ لنا وهناك مجد

ونحن جزيرة العرب افتداها

ويفديها غطارفة وأسد

ونحن شمالنا كبر أشم

ونحن جنوبنا كبر أشدُّ

ونحن عسير مطلبها عسير

ودون جبالها برق ورعد ُ

ونحن الشاطئ الشرقي بحر

وأصداف وأسياف وحشدُ

إن الحكمة تقتضي استنزاف ايران وحزب الله وغيرهما في كل من سورية ولبنان والعراق وغيرها من المواقع وهي الوسيلة الافضل لانهاكهما من جهة ومنع المواجهة المباشرة مع ايران من جهة اخرى فهل نتخذ من طول النفس ومن الاستنزاف وسيلة من خلال دعم المعارضة السورية وتدريبها وتسليحها؟

وبما اننا نتحدث عن الشرق الاوسط واحتمالات المواجهة فيه فلا بد من ان نعرج على تصريحات الرئيس الاميركي باراك اوباما لصحيفة ذااتلانتك والتي عبر فيها عن ملامح السياسة الاميركية في المنطقة حيث تحدث فيها عن منطلقات السياسة الاميركية الجديدة (عقيدة اوباما) في المنطقة:

*- لقد تُجني على المملكة بأنها مصدر التشدد وانها المسؤولة عنه ليس هذا وحسب بل تعمد تكذيب مذكرات رامسفيلد التي قال قيها إن ايران وليس المملكة مسؤولة عن احداث 11 سبتمبر بالاضافة الى انه اعلن صراحة ان أميركا لم تعد تقف مع حلفائها في المنطقة وانها سوف تنأى بنفسها عن الحروب التي تحدث في المنطقة وهذا يخالف تعهداته في كامب ديفيد وما تلاه من تعهدات بأن أميركا سوف تقف مع حلفائها في منطقة الخليج ناهيك عما قال انه على المملكة وايران ان تسعيا الى سلام بارد يتم من خلال تقاسم النفوذ في المنطقة وكأن ايران لم تتدخل في شؤون المملكة وشؤون دول الخليج والدول العربية ولم تدعم الارهاب والمشاركة في قتل الشعوب العربية وهو بذلك يساوي بين حراك المملكة الايجابي وحراك ايران الارهابي ولم يكتف بذلك بل ان تصريحاته تعتبر دعوة صريحة لايران لشن حرب على دول الخليج فهو بهذا يقول لهم لا عليكم نحن لن نساعدهم ولن نقف معهم.

ان موقف الرئيس الأميركي يشير بكل وضوح الى ان الذي يحكم أميركا ليس من يقيم في البيت الابيض فهذا لا يعدو ان يكون الممثل الظاهري للحكومة الخفية هناك والتي توصل مثل هؤلاء الى سدة الحكم طبقا لمواصفات معينة فعندما استوت لعبة احتلال العراق اوصلوا الى سدة الحكم شخصا يناسب الدور وهو جورج بوش الابن وطاقمه الوزاري. وعندما حان وقت التمييع اوصلوا باراك اوباما، والان يعدون العدة لوصول شخص يناسب اللعبة القادمة في منطقتنا فهل يكون ذلك دونالد ترامب الفظيع ام غيره فهم سوف يختارون من يناسب المرحلة القادمة ويصلح لتنفيذها ولهذا لابد من بناء استراتيجية سياسية للتعامل مع أميركا ليس من خلال الصداقة مع الرئيس وحكومته في البيت الابيض فقط بل لابد من ان يكون لنا قدرة على بناء لوبيات قادرة على صنع تحالفات وعلاقات مميزة مع صناع القرار داخل وخارج البيت الابيض سواءة في مجال الاعلام او المال او الكونجرس او مجلس الشيوخ.

ناهيك عن العمل على ايجاد مرتكزات استثمار وتعاون اقتصادي ذات اهمية استراتيجية يمكن من خلالها تمرير بعض المطالب ومنع بعض المواقف المعادية لنا. ان كسب الرهان لا يقوم على ما كان بل على ما يكون وسوف يكون وهذان محفوفان بالمصالح الآنية والمستقبلية.

نعم أميركا مع مصالحها اينما كانت والمصالح تتغير من زمن الى زمن فلكل زمن احكامه فعندما كانت أميركا لا تستغني عن بترول الشرق الاوسط قادت عاصفة الصحراء لتحرير الكويت. اليوم قواعد المصلحة اختلفت لان أميركا استغنت بالغاز والبترول الصخري واصبح عندها فائض تصدره لذا اهتمامها بالمنطقة اصبح باهتا وكل هذا بالطبع يتطابق مع المصالح الاسرائيلية.

واذا كانت تلك المواقف مشفوعة بتنسيق اميركي - روسي على مستوى القمة ومستوى وزيري الخارجية بصورة متكررة يصبح السؤال ماذا يخططون له؟ خصوصا ان الذكرى المئوية الاولى لاتفاقية (سايكس – بيكو) تحل هذه الايام راجين الله الا نسمع عن اتفاقية (لافروف – كيري) جديدة.

من هذا كله لا بد من اعادة تقييم المواقف وبالتالي الاستعداد لما بعد الصداقة مع أميركا في جميع المجالات وفي نفس الوقت بذل كل الجهود للمحافظة على تلك الصداقة واستمرارها فأميركا وإن اختلفت معنا او اختلفنا معها تبقى القوة الاعظم في العالم بما تملكه من تميز وتقدم وقوة ومكانة لا يضاهيها فيه احد في الوقت الحاضر. ولذلك لا يسعنا الا ان نقول:

إذا لم يكن غير العداوة مركبا

فما حيلة المضطر الا ركوبها.

والله المستعان

*نقلا عن صحيفة "الرياض".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.