.
.
.
.

وحدها لا تكفي!

علي القاسمي

نشر في: آخر تحديث:

تنمو مفردة الاستعطاف بشكل ملموس، وتحمل معها كثيراً من القصص والأوجاع والحكايات المريرة، توقفنا وتؤلمنا وتجعلنا في حال انصياع عاطفي كامل فما نراه في دقائق العرض والطلب كافياً لنزيل ملامح الشك ونؤمن بأن اللحظات الموثقة لصيقة بالحقيقة وممتلئة بأورام التفاصيل ومنزوعة من الكذب والتضليل، بل إن بعضها تذكرنا ببيت الشعر الشهير «ولا بد من شكوى إلى ذي مروءة... يواسيك أو يسليك أو يتوجع» ونحن شعب ذو مروءة و«فزعة» وتسرع.

عاطفتنا رفيعة المستوى وحكايات الاستعطاف المحلية تتحدث عن رفعة هذه العاطفة وأننا شعوب طيبة جداً ولا حرج إن كنا طيبين بالفطرة، لكن طيبتنا تمضي أحياناً بلا وعي، وفينا المتحمسون من دون تثبت، الرامون بالتهم على عجل، والمؤمنون بأن هذه المحاولات الاستعطافية حل أخير وعلاج إن لم ينفع فلن يضر لكثير من ملامح القصور العام والتجاهل المتعمد لمن يمد يده طلباً لعون أو ينادي بهدوء لأجل حقوق سلبت أو تم التعدي عليها من منطلق «حكم القوي على الضعيف»، وتحولت في بضع حالات لمحاولات جريئة وبلا خسائر من بوابة «من له حيلة فليحتال».

لا يجب أن تعبث بعواطفنا بعض المقاطع المتداولة للحد الذي يمكن أن نندفع معها بلا وجهة ولا اتجاه وللدرجة التي نتحول فيها لفريقٍ ترويجي، وفي هذه المجتمعات العاطفية الطيبة من هو قريب من هذه الجراح والأوجاع ولم يعمل شيئاً لا لعدم قدرته بل بانشغاله عنها بما يراه أهم من مصالحه الشخصية ورغباته، نحن نرتدي ملابس العاطفة وننسى معها أزرار الصدق على رغم الأسئلة البريئة عن سر ولادة هذه الحالات في هذا الوقت تحديداً في ظل أن عمرها كحالات ليس قصيراً، أخشى أن نستغل كمجتمعات بالغة الطيبة لمشروع شحاذة إلكتروني ويختلط في هذا المشروع الصدق والحاجة مع عكسها الذي لا يخفى على كل قارئ نبيه، هذا المشروع لن يسرق جيوبنا جبراً، لكنه سيسرق الثقة ويحضر الشكوك في ما يحيط بنا ويوزع التهم بالمجان، سيحيل نقاشاتنا لمسلسلات من التخوين وترويج التضليل، هو مشروع نجمع فيه من ما تيسر من الوجع وما توافر من الأحزان ونسوق معها اللعنات والدعوات على من كان سبباً أو أسهم في وقوع الظلم على الحال التي تتحدث بمرارة أمامنا، على رغم أن بعضاً من هذه الحالات داخلها شيء من الغموض وكشفت تفاصيلها وحقيقتها جهات متقاطعة معها وكانت في لحظة ماضية متهمة وسبباً رئيساً في ظهورها وطفوها على السطح بهذا الجرح الكبير والقهر المستعصي على الصمت، الراغب في البوح حد الانفجار.

احترم أن يكون مؤشر الطيبة لدينا عالياً جداً، ولا أكتب هنا لتكذيب الحالات المعترضة والمارة إنما أرفض أن نتحول لمساحة استجداء وتعاطف وكأن هذه الحالات لا يعيش حولها أحد، وقد نكون مجبرين في المقبل من الأيام على رصد دقيق وملاحقة حتمية لهذه الحالات لاحتواء ما في بطنها من المرارات المتفاقمة ومعالجة الصادق منها ونقله لظروف أفضل وفي المقابل مساءلة ومحاسبة ومعاقبة من يتاجر بالعواطف ويحيلنا لمجتمعات مستاءة وتؤمن بالسواد أكثر من البياض وتشك حتى في طرف قميصها أو ثوبها.

* نقلا عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.