.
.
.
.

الدولة المدنية قبل فوات الأوان

محمد آل الشيخ

نشر في: آخر تحديث:

وأخيراً اكتشف الإنسان العربي أن البقاء والأمن والاستقرار مرتبط بنظرية (الدولة المدنية) ارتباطاً حميمياً، أو ارتباط السبب بالنتيجة الحتمية، فلا الأنظمة العسكرية وانقلاباتها وفرت له الأمن والعدالة والعيش الكريم، ولا الدولة الكهنوتية الإقصائية استطاعت أن تقدم إليه حلاً تنموياً حضارياً، ليعيش مثل ما تعيش دول العالم الأخرى. العالم من أقصاه إلى أقصاه يقوم على الدولة المدنية، ويعيش في كنف دولة القانون، في حين أن إيران تصر على الدولة الكهنوتية، التي هي (دولة الولي الفقيه)، وإن اختلفت المرجعيات، فعلى الرغم من الدماء والخسائر الاقتصادية الجمة التي تكبدتها مصر الدولة حين تربع على عرش السلطة فيها جماعة الإخوان، إلا أن من إيجابيات تلك التجربة الفاشلة المريرة، أنها أقنعت الإنسان العربي أن مقولة (الإسلام هو الحل) التي رفعتها جماعة الإخوان، كانت مجرد ذريعة وشعار سياسي لاستقطاب الناخبين، ما أن تعايشوا معه، حتى انتفض ملايين المصريين، وخرجوا إلى الشوارع يطالبون بالخلاص منه. والآن أصبح نجم الإخوان يخبو وما يزال يخبو، ويقترب الإنسان العربي من الدولة المدنية، المجربة فعاليتها في كل دول العالم.

لكن الدولة المدنية لا يمكن أن تقوم وتتجذر وتصبح ذات مؤسسات فعالة وعادلة في مجتمعات طائفية أو مذهبية، أو عنصرية، انتماؤها للمذهب أو للعرق أو للمنطقة وليس للوطن بجميع مذاهبه وأعراقه ومكوناته الجغرافية. والمذهبية حسب ما أراه الآن هي (العقبة الكأداء) في طريق الدولة المدنية أو الدولة الوطن، التي لا تفرق بين مواطنيها على أساس مذهبي ولا طائفي، ولا عرقي، ولا يتقدم جزء أو منطقة منها على بقية الأجزاء والمناطق الأخرى.

ومنطقة الدول العربية، حسب ما نسمع وما نقرأ، يكتنف بعض دولها المضطربة وغير المستقرة شبح التشظي والتقسيم، وهناك من يدفع باتجاه هذا التقسيم، إما على أساس عرقي، مثل الأكراد في شمال العراق وشمال سوريا أو الأقليات (الأمازيغية) في دول الشمال الإفريقي. أو لبواعث مذهبية، على اعتبار أن الصراع الدموي بين السنة والشيعة، لن يقضى عليه إلا استقلال كل مذهب بدولة مستقلة، كما تطرح كثير من الدوائر ودور الأبحاث في الغرب.

والمملكة ودول الخليج دول ذات تعددية مذهبية، والخطر عليها يأتي من هذا الجانب على وجه التحديد، لا سيما وأن الجار الإيراني، يحاول أن يوظف المذهب ليثقب به اللحمة الوطنية لدول الخليج، وما زال منذ الثورة الخمينية يحاول إشعال التباين المذهبي، ما جعله هو العدو الأول لدول مجلس التعاون الخليجي. ولن يكبح جماح هذا الغول الفارسي الخطير، ومخططاته التوسعية، إلا العمل بكل قوة وتصميم على ترسيخ مبدأ (الوطن لكل مواطنيه بكل مذاهبهم). والخطوة الأولى التي يجب أن نواجه بها خطر (تمزيق الوطن طائفياً) أن نسعى إلى إصدار (نظام) صارم وحازم، لتجريم كل من يثير النعرات المذهبية أو العنصرية أو المناطقية، وتحديد عقوبات رادعة لمن لا يكترث بهذا النظام فهناك من الوعاظ والقُصاص من يقيم مكانته الاجتماعية بين المواطنين انطلاقاً من الخطاب المذهبي، بشكل مقرف، حتى أصبح أحدهم يمنع من دخول الدول العربية منها والأوربية، كما يمنع المصاب بالوباء المعدي المميت.

وختاماً أقول: لا حل لنا إلا الدولة المدنية، التي لا يُفرق بين مواطنيها في الحقوق والواجبات، لا مذهباً ولا غيره من أسباب تفجير الأوطان. وصدقوني أن الخاسر الأول حينما نمارس هذه الممارسات الوطنية، هو الوحش الفارسي، فلن يجد هؤلاء الأعداء ثقباً ينفذون من خلاله إلى مجتمعاتنا.

* نقلا عن "الجزيرة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.