.
.
.
.

المحاسبة الحكومية: يغص بالماء ويبلع جملا

سطام المقرن

نشر في: آخر تحديث:

تقضي التعليمات المالية للميزانية بأن تقوم كل جهة حكومية بإعداد الحساب الختامي، سواء على مستوى الوزارة أو المصلحة أو على مستوى الدولة ككل، وقد جرت العادة أن تصدر وزارة المالية في نهاية كل سنة تعميمياً يتضمن تعليمات إقفال الحسابات لمدة لا تتجاوز الشهرين من انتهاء السنة المالية تسمى الفترة المتممة.
ويتم إعداد الحساب الختامي بمعرفة الجهة الحكومية، تحت إشراف لجنة تشكل سنوياً من مدير عام الجهة، والمراقب المالي بها، والمدير المالي، ورئيس الحسابات، ويتضمن الحساب الختامي تقريرا عن الإيرادات، وتقريرا عن النفقات، وتقريرا عن الحسابات الأخرى، وفيها تتم المقارنة بين البيانات التقديرية والفعلية على أساس سنوي.
وتتمثل أهمية الحسابات الختامية في أنها أداة من أدوات التخطيط والرقابة، فهي تساعد في إعداد تقديرات الموازنة للفترات المالية القادمة، إضافة إلى إظهار نتائج تنفيذ الميزانية للسنة الماضية وما حدث من انحرافات وأسبابها لعرضها على السلطة العليا في الدولة.
وبالرغم من أهمية الحساب الختامي كتقرير مالي يلخص أعمال الجهة الحكومية من مصروفات وإيرادات وأرصدة حسابات التسوية خلال فترة سنوية، إلا أنه في الواقع العملي يأتي عكس ذلك تماماً، فهو لا يحقق أغراض الرقابة المالية، ولا يحقق الرقابة على البرامج والأنشطة التي تنجزها الجهات الحكومية، فقد أصبح مجرّد تقرير مالي يركز على الشكليات واستيفاء المستندات الصورية ولا يركز على الأهداف والخدمات التي تسعى تلك الجهات إلى تحقيقها وفقاً لما تتضمنه الخطة الخمسية للدولة.
والسؤال المطروح هنا هو: أين تكمن عوامل الهشاشة والخلل والضعف في التقارير المالية الحكومية؟ وقبل الإجابة عن هذا السؤال، لا بد من الاعتراف بأن النظام المحاسبي الحكومي يحمل عوامل سلبية في بنيته وهيكلته، تجعله عرضة للفساد والهدر وسوء استخدام الموارد، لا سيما في جوانب الإنفاق.
فالنظام المحاسبي الحكومي لا يتضمن آلية لضبط وتخطيط وقياس مردود وجوانب الإنفاق، فهو يعتمد على الآلية اللائحية والإجرائية للضبط والرقابة، وهي آلية شكلية يسهل الالتفاف حولها من قبل أطراف الفساد، ويصعب معها تضييق الخناق على عوامل الهدر، لأن النظام يقوم على أساس تخصيص الموارد لا على أساس النتائج المستهدفة أو المردود المستهدف، وإنما على أساس طبيعة النفقة والالتزام باللوائح!
لنأخذ على سبيل المثال أحد النماذج التي يتكون منها الحساب الختامي، وهو عبارة عن تقرير عن النفقات، ويعد على نفس النمط لكل باب من البابين الأول والثاني في الميزانية بصفة مستقلة، ويوضح التغيرات التي طرأت على اعتمادات الميزانية، سواء في شكل مناقلات بين البنود وبعضها، أو في شكل اعتمادات إضافية تم إقرارها خلال العام، والتي تأتي عن طريق طلبات من الجهات الحكومية بتعزيز مخصصاتها المالية بمبالغ إضافية، وطلبات التعزيز هذه تحوي كثيرا من الهدر والإسراف، وتعني أن النظام المحاسبي نفسه غير مستقر، وتعني الهشاشة التي تجعله عرضة للفساد والهدر.
كما أن المناقلات بين بنود الميزانية لا تتضح أسبابها ومبرراتها في الحساب الختامي، وإنما يكتفى بصور من قرارات وزارة المالية بالموافقة على النقل بين البنود، إضافة إلى غموض الصلاحيات المالية للمسؤولين في الجهات الحكومية، كما أن الأرقام المالية تأتي بشكل إجمالي دون تفاصيل للنفقات والمصروفات، وبالتالي ليس هناك ثمة قدرة على الرقابة وعلى متابعة تلك التفاصيل وعلى المساءلة عنها.
فعلى سبيل المثال يحتوي الباب الثاني على بنود كثيرة ومختلفة، مثل بند المكافآت وبند المصاريف السفرية وبند إيجار الدور وبند الحفلات والضيافة وبند الأثاث والمستلزمات المكتبية وبند الأبحاث العلمية وبند التدريب وبند السيارات وغيرها، وتكون الرقابة على هذه البنود عن طريق الآتي:
-التحقق من وجود النسخة الأصلية للمستند.
-التحقق من وجود جميع مؤيدات الصرف النظامية.
-التأكد من كفاية الاعتماد المقرر للبند وصحة الخصم على البند الصحيح.
-التحقق من صحة احتساب المبالغ حسابيا.
وفي الغالب يتم تحقيق جميع المتطلبات الرقابية السابقة من حيث الشكل فقط، أما الواقع فالوضع مختلف، فيتم في البداية المبالغة في تقدير مبالغ تلك البنود، ومن ثم النقل منها دون وجود مبرر واضح، فيتم نقل مخصصات بند الدراسات والأبحاث بالكامل إلى المصاريف السفرية التي تكون من أجل السياحة وليس لحاجة العمل والاستفادة من مبالغ التذاكر عن طريق التعاقد مع بعض شركات الطيران. كما يتم شراء سيارات فوق الحاجة ومن الموديلات الجديدة والفارهة ليتم بيعها فيما بعد في المزاد العلني، واستخدام بطاقات أو كروت المحروقات للسيارات الخاصة ببعض الموظفين، كما يتم التوسع في إيجار العقارات من خلال التواطؤ وتنفيع بعض الأطراف، ويتم التعامل مع خارج الدوام والانتدابات كـ"شرهات" مالية من قبل الإدارة العليا، أما التدريب فليس هناك تقدير للاحتياجات التدريبية، فيتم النقل من مخصصاتها بشكل متكرر، مع انخفاض البرامج والدورات للموظفين، وغالباً ما تتجه المصروفات بشكل كبير إلى الإدارة العليا مع التقتير على الإدارة التنفيذية التي تشكل أساس نشاط الجهة الحكومية.
وأما العاملون والمحاسبون والمراقبون في الإدارات المالية، فيستنفدون أوقاتهم وجهدهم في الدوران بين الأرقام والأوراق ولوقت طويل، وقد تكون المشكلة وجود فروق في خلاصة البيانات الحسابية بين المبالغ الإجمالية لبنود الميزانية ربما لا تتعدى مبلغ 100 ريال وهذا الفرق يزعجهم كثيراً، فيقضون الشهور والأيام في مراجعة كل التفاصيل وإعادة النظر في كل مستند من المستندات التي تتعلق بتلك التفاصيل من أجل تقديم التقارير المالية بدون فروقات وفي الموعد المحدد.
مع أن التقارير المالية والبيانات الحسابية التي يعدها المحاسبون لا تخلو من ألوان التحايل والتلاعب تحت كل المظلات الورقية المشروعة من فواتير معتمدة وأوامر صرف موقعة من خلال نفس البيانات التي يرصدونها ويجمعونها ويراقبونها، ولكن اهتمامهم ينصرف فقط إلى اختلال التوازن المحاسبي في إجمالي البنود.. بفارق 100 ريال!

نقلاً عن "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.