الإرهاب.. والجنوح المذهبي!!

علي ناجي الرعوي
علي ناجي الرعوي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

يسهب البعض في استقراء مهددات ظاهرة الإرهاب الناجمة عن الجهل بالدين والانغلاق الذهني والفكري لكنهم في المقابل يغفلون مهددات الجنوح المذهبي الذي غدت مظاهره تتموضع في المجتمعات العربية والإسلامية عن طريق بعض التيارات والتنظيمات التي جنحت إلى التشيع المذهبي عن طريق استبدل الانتماء لأوطانها وعروبتها وقوميتها بالولاء للعصمة المذهبية كما هو حال (حزب الله) اللبناني الذي كشف في جانب من انفعالاته ومقامراته وارتباطاته الداخلية والخارجية أنه من أصبح محكوماً بأيديولوجية جانحة وإقصائية يغلب عليها التعصب والتشدد وكراهية الآخر حتى وإن كان أخاً في الدم أو العروبة أو الدين أو شريكا في الوطن.

ومن هنا فإن تجاهل النخب السياسية والثقافية العربية لمهددات الشحن المذهبي والذي يعمل في جانب منه على إشاعة الكراهية والبغضاء بين أبناء الأمة وشعوبها فإنه الذي أضحى يشكل حاضناً لمنابت التطرف والإرهاب، وتبرز هذه الحقيقة شاخصة فيما تقوم به بعض الجماعات والتيارات والتنظيمات الطائفية أو المذهبية المسلحة المرتهنة للنفوذ الإيراني والتي يجري توظيفها برغبة شديدة لإثارة النعرات المذهبية في الداخل العربي وزعزعة الاستقرار في الأقطار العربية والإسلامية وتفكيك مجتمعاتها بهدف الإجهاز على هذه الأمة التي ظلت منذ فجر الإسلام متصالحة مع ذاتها ومتعايشة فيما بين مكوناتها في نطاق الجوامع المشتركة التى لا يفسدها التعدد المذهبي أو غيره، حيث ظلت تلك المكونات مندمجة رغم خصوصيتها التي لم تتخل عنها تحت مظلة الدولة حتى ظهرت تلك التيارات والجماعات المذهبية المتطرفة التي تتصرف وكأنها بمثابة فروع كيانية (لولاية الفقيه) وليس كجزء لا يتجزأ من أمة لها تاريخها وحضارتها وثقافتها التي تحصنها.. ولعل إغفال هذا المهدد من قبل بعض النخب العربية هو من سمح للطرف الإيراني بالتمادي ودفع به إلى استخدام تلك الأدوات لخلخلة التعايش الديني والمذهبي في المجتمعات العربية والإسلامية وتفكيك مفهومها الرئيس وهويتها الأساسية والانسجام الذي يصبغ علاقات كل الألوان والتفاصيل في داخلها.

الآثار المدمرة لهوية إيران المذهبية تتجلى اليوم بأبشع مظاهرها في تقديم نفسها ليس فقط دولة للشيعة الفرس وإنما أيضا للشيعة العرب في المنطقة لتمنح نفسها الغطاء السياسي للتدخل في شؤون الدول العربية بشكل مباشر في انتهاك لكل الأعراف والمواثيق الدولية، وكذا حدود الدول وسيادتها الأمر الذي يصبح معه مثل هذا الجنوح المذهبي رديفاً للفعل الإرهابي بل إن التزاوج بين هذين الميولين يجعلان منهما وجهين لعملة واحدة إذا ما علمنا أن إيران باتت تتخذ من نشر ثقافة المليشيات وسيلة لتغذية لعبة الصراع الإقليمي وإرهاب المجتمعات العربية والإسلامية وشرعنة العنف والعنف المضاد من خلال مليشيات شيعية تمارس الإرهاب ضد الآخر بصيغة دينية.

وعليه فإذا كان الإرهاب يحتاج إلى أسلحة ومدرعات وقنابل وتحركات سرية قد تصيب أو تخفق فإن التطرف والجنوح المذهبي هو من بوسعه تدمير المجتمعات بما يفوق أشد الأسلحة فتكاً وهدماً، فالفرد المشبع بالعصبية المذهبية وثقافة الأنا وإقصاء الآخر يغدو أكثر عدوانية من أي إرهابي آخر لكونه من يتحلل كلياً من الخيارات الجامعة والدافعة باتجاه الألفة والوئام والالتصاق بمجتمعه التي تجد جذورها الأكثر عمقاً في سماحة الدين ووسطيته واعتداله ونبذه لعوامل التطرف الفكري والديني ليبدو تحت تأثير ذلك الانغلاق مستعداً لتدمير المجتمع الإنساني بأكمله.

فكما أن الإرهاب ليس له ما يبرره فإن التطرف المذهبي هو جنوح إرهابي عابر للقارات إذ ان جوهره يتناقض مع فلسفة الدين وفلسفة الوطن الجامع ومعطيات البيئة الثقافية والحضارية والإنسانية التي نشأت عليها البشرية، ولذلك تتراكم المؤشرات الدالة على أن الفئات التي انغمست كلياً في مستنقع المذهبية المقيتة في بعض الأقطار العربية قد أخطأت حينما انسلخت عن محيطها العربي ومجتمعاتها الوطنية وحينما سلمت أمرها للوصاية الإيرانية التي تستخدمها لتحقيق مآرب خاصة تتعارض ومصلحة المجتمعات التي نشأت وترعرعت في داخلها، بل انها بذلك الارتباط الأعمى وتحوّل بعضها إلى مليشيات مذهبية مسلحة وبنادق الإيجار في مواجهة الدولة الوطنية التي تتحقق في ظلها قيم المواطنة المتساوية بين جميع أفرادها دون تفريق أو تمييز على أساس من الدين أو المذهب قد تخلت عن كل عزيز ومقدس ووضعت نفسها خارج القانون والشرع والقيم الإنسانية مقابل تقديس كيان مذهبي متعصب ومتعطش للدماء.. وبالتالي فلا نجافي الواقع إذا ماقلنا إن الجنوح المذهبي هو إرهاب مكتمل التفاصيل وإن من حق الأمة العربية والإسلامية أن تقف في مواجهة هذا الإرهاب، وألا تسمح للحمقى والجهلة والمليشيات المذهبية بإسقاطها في ثقب الحروب التطهيرية لأن في ذلك مقتلها المؤكد.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.