.
.
.
.

الماء.. و«فكرة الترشيد» والفواتير المتسرعة!

د.عبدالواحد الحميد

نشر في: آخر تحديث:

لا يمكن أن يكون الناس الذين يشتكون من الارتفاع الفلكي المفاجئ في قيمة فواتير الماء هم جميعاً على خطأ، فالشكوى تكاد تكون عامة، والارتفاع الذي يتحدث عنه بعض المشتكين يصعب فهمه واستيعابه إلا أن يكون خطأ من جانب شركة المياه لسببٍ أو لآخر، مع استبعاد سوء النية بطبيعة الحال. فمهما بلغ سوء استخدام الماء من جانب المستهلك، لن يقفز الاستهلاك على حين غره لتبلغ قيمته عشرات الأضعاف كما حدث لشرائح لا تعتبر من الشرائح العليا للاستهلاك. نعم، لابد أن يكون هناك خطأ ما! فالترشيد في استخدام الماء وفي كل مواردنا الناضبة هو مطلب عام لأنه في صالح المجتمع، لكن الترشيد لا يعني مطالبة الناس بأن يتحملوا فوق طاقتهم وفق حسابات غير واضحة وغير مفهومة للمستهلك الذي لا يعرف كيف ارتفعت قيمة فاتورته إلى هذا الحد الخرافي ومَنْ هو الذي حدد حجم استهلاكه لكي تطالبه الشركة بدفع التكلفة المرتفعة جداً للفاتورة.

كل العقلاء كانوا يطالبون منذ زمن طويل بترشيد استخدام المياه، ليس فقط في مجال الاستهلاك السكني وإنما أيضا في مجال أشد تبديداً للماء وهو زراعة القمح والأعلاف وبعض المحاصيل التي استفادت منها الشركات الكبرى وبعض كبار المزارعين ولم يستفد منها المواطن العادي. ولكن عندما جاء زمن الترشيد وجد المستهلك العادي أنه هو المُطالب بالترشيد، وأن هذا الترشيد يأتي وفق حسابات غير واضحة ولا معروفة، وأن المطلوب منه هو أن يدفع الآن ثم لكل حادث حديث!

يجب أن تعلم شركة المياه أو وزراة المياه أن من المهم المحافظة على «فكرة الترشيد» وعدم الإساءة إليها وتخويف الناس منها بإصدار فواتير متسرعة غير منطقية. فالناس الذين لا يمانعون من ترشيد استخدام الموارد الناضبة، ومن أهمها الماء، لم يدر في خلدهم أن ترجمة الفكرة إلى الواقع العملي تعني إرهاقهم وتحميلهم ما لا يستطيعون تحمله عن طريق التقديرات العشوائية المليئة بالأخطاء. هذا السلوك سوف ينفر الناس من فكرة الترشيد، وسوف يفهمون الترشيد على أنه ضرائب ورسوم على سلعة ضرورية غير كمالية هي الماء، وهو ما لم يكن الهدف الحقيقي من فرض زيادة متدرجة على الاستهلاك المفرط من الماء كما قيل في البداية.

ستقول شركة المياه أن التكلفة الحقيقة الكلية للمياه تفوق كثيراً ما يتم تحصيله، وربما لا أحد يجادل الشركة في ذلك، لكن الناس يعرفون أن جزءاً كبيراً من المياه التي يتم ضخها تتسرب وتضيع هدراً بسبب سوء شبكة المياه، بالإضافة إلى مشكلات أخرى ترفع من التكلفة.

مطلوب من شركة المياه أن تراجع هذا الأمر من أوله إلى آخره، وأن تتوصل إلى حلول معقولة، فليست هذه هي فكرة الترشيد الذي صفقنا لها ذات يوم!

نقلاً عن "الجزيرة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.