ولي ولي العهد في مهمة التغيير.. والتحول
لم يجد الباحثون سبباً في ازدهار الرأسمالية بعد الحرب العالمية الثانية، وتحديداً في الفترة من 1947- 1973 إلاّ في تحول الإنسان نحو الإنتاج، وتطوير مفاهيمه تبعاً لذلك، والانسجام مع التغيرات الجيو سياسية التي فرضت الهيمنة والنفوذ بعد أن وضعت الحرب أوزارها، وساعده في ذلك تحول إيدولوجيا الدولة من فكرة الاستحواذ إلى تفويض الأفكار الاستراتيجية لمؤسسات المجتمع، والشراكة معها، وفق رؤية طموحة متناغمة وفاعلة ومنتجة، حيث تجاوزت الرأسمالية مفاهيم الإقطاعية الاشتراكية العتيقة، والخروج من «عصر الأزمات» إلى «العصر الذهبي»، والتحليق بعيداً ولا تزال في التأثير على اقتصاديات العالم، والقدرة على تجاوز الحدود الجغرافية، وتنويع الاستثمارات، وتعدد مواقع الأسواق الحرة.
هذا النمط من التفكير ساهم في بناء مجتمعات متطورة، قادرة على حماية مصالحها، والحفاظ على مكاسبها، وتنويع مصادر دخلها، وزيادة ناتجها القومي، رغم السلبيات التي تركتها الرأسمالية على النسق الثقافي في المجتمع، ومع ذك كان الإنسان متصالحاً مع واقعه، وطامعاً في تحقيق مكاسبه الذاتية التي لم تنفصل عن مكاسب مجتمعه.
حديث ولي ولي العهد مع شبكة بلومبرغ الإخبارية عن تخطيط المملكة لتأسيس صندوق سيادي بمبلغ تريلوني دولار لمرحلة ما بعد النفط، والإعلان عن ملامح الخطط الاقتصادية للدولة خلال السنوات المقبلة، بما فيها طرح (5%) من شركة النفط العملاقة «أرامكو» للتداول العام 2017؛ هو توجه ينسجم مع مكانة المملكة ضمن أقوى 20 اقتصاد في العالم، ويعزز من مكاسبها، واستثمار مقوماتها، وتعزيز كفاءة إنفاقها، حيث عنون لهذه المرحلة ب«التحول»، ويعني في أبسط مفاهيمه تحول المواطن من ثقافة الاستهلاك إلى الإنتاج، وتحرير مؤسسات الدولة من الاعتماد المالي للموازنة إلى بناء شراكات تستثمر في الأصول والخدمات وتحقيق العوائد، وتحسين مستوى الخدمة وتجويدها.
الأمير محمد بن سلمان يفكّر بطريقة مختلفة، وجريئة، وذات نتائج مضمونة، ويطمح أن تتحقق المعادلة بتعاون المواطن لاستيعاب المرحلة، والقدرة على النهوض في مشروع اقتصادي متعدد المصادر، والشراكات؛ فهو يؤمن بالحكمة الفرنسية: «من يفهم كل شيء ينبغي أن يغفر كل شيء»، ومعناه أن الفهم الجديد لإدارة اقتصاديات الدولة -وهو حتماً يفهم تفاصيل ما تعانيه كرئيس لمجلس الاقتصاد والتنمية- يتطلب أن نغفر للممارسات التي كانت سائدة في إدارة ذلك الاقتصاد الضخم، والبدء بمرحلة جديدة لا نسأل فيها عن سعر برميل النفط، ولا يساوم أو يزايد أحد في تحديد سقف إنتاجه، أو الارتهان لتقلبات أسواقه، وبالتالي هي مرحلة تحول علينا كمواطنين أن نعي أبعادها، ونتائجها، والاعتماد عليها في ثقافة تعاطينا مع المتغيرات التي حتماً ستكون في صالح اقتصاد يعوّل عليه كثيراً في المرحلة المقبلة.
المملكة أو «السعودية الجديدة» التي يرسم ملامحها الاقتصادية ولي ولي العهد هي دولة صناعية، متعددة الاستثمارات، والمداخيل، متطورة الخدمات، والإمكانات، قادرة على مواجهة الأزمات، وتقنين النفقات بتفويض المهام التشغيلية والتحويلية للقطاع الخاص، وتعزيز دوره، وقدرته على الشراكة الفاعلة مع الدولة على قاعدة «بقدر ما تأخذ تعطي»، والأهم من بين ذلك هو في إعادة بناء العنصر البشري على أساس الإنتاج بدلاً من الرعوية، والأمان بدلاً عن الضمان، والعمل الحر بدلاً من انتظار الوظيفة، والعلم كنور للمستقبل وفق احتياجات السوق.
* نقلا عن "الرياض"