علاقة «خذ وهات» أم تحالف استراتيجي!

زهير الحارثي
زهير الحارثي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

منذ منتصف القرن الماضي عاشت العلاقات العربية ببعضها البعض او بغيرها من دول الجوار مراحل تاريخية، لعبت فيها عوامل عدة دورا رئيسيا سواء أكان للتحالف ام القطيعة فيما بينها أم حتى مع القوى العظمى آنذاك، الا ان هناك ثمة صفحات مضيئة في تاريخنا المعاصر كما حدث في أعوام 1973، و1990، 2012 وغيرها حيث شهدت تحالفا سعوديا – مصريا عكس مفهوم التضامن العربي.

في هذا السياق تأتي زيارة خادم الحرمين الشريفين بمثابة تأكيد لهذا المسار في الانطلاق من تأمين الدائرة العربية وبعث رسالة للقوى الإقليمية في المنطقة من أن مصر ستبقى ملتزمة بهويتها وعروبتها وإسلامها المعتدل، وان الرهان على اختراقها تحت أي ذريعة ما هو إلا وهم، فضلا عن أن المساس بأمن مصر او السعودية ودول الخليج هو مساس بالأمن القومي العربي.

القراءة السياسية لزيارة الملك سلمان او ضيف مصر الكبير كما وصفته مصر تدفع باتجاه بناء رؤى وتأسيس تفاهمات وخيارات استراتيجية إزاء همومنا العربية، فالتحديات مشتركة والمخاطر تتفاقم وكلاهما مستهدفان.

ورغم ان العلاقات السعودية -المصرية قد شهدت تاريخيا بعض التوتر في بعض المراحل الا انها لم تدم طويلا لإصرار القيادات السعودية والمصرية على تجاوز كل الأزمات لقناعتهم الراسخة بأن ما يربط الشعبين من منظومة مجسدة في علاقات دينية وثقافية وتاريخية قادرة على الوقوف في وجه ما يثيره المتربصون، واصوات المشككين.

الزيارة تقطع الطريق على من أمعنوا في التصيد لإعطاء انطباع بوجود خلافات تهدد العلاقة بين البلدين. لا شك ان الاخوان في العالم العربي ومن يقف معهم ويدعمهم كرسوا هذا الإيحاء محاولين تضخيم وتهويل اختلاف وجهات النظر حول ملفات معينة.

مصر تقدر مكانة المملكة الروحية ودورها الإقليمي وعمقها العربي وتأثيرها الدولي، وتصريحات الرئيس السيسي تعكس تقديرا لقيادة المملكة ومواقفها العروبية والإنسانية مع الشعب المصري منذ عقود والى ما بعد ثورتي 25 يناير و30 يوليو، كون دعمها القاهرة سياسيا وماديا يساعدها لتعود لموقعها الطبيعي.

المتأمل في الوضع الإقليمي يلحظ بأنه يتسم بدرجة كبيرة من السيولة السياسية وتسارع المتغيرات ما يحتم التعاطي معها ببلورة رؤية استراتيجية لا سيما فيما يتعلق بملفي الأمن القومي العربي، والإرهاب هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى التعاطي الأميركي مع قضايا المنطقة قصة أخرى ولكنه بالتأكيد عامل مهم يدفع الدول العربية لتعتمد على ذاتها لاسيما وأن واشنطن لم تعد ذلك الحليف الذي يعتمد عليه.

كان من المهم ان تكون مصر عضوا في التحالف العربي وكذلك التحالف العسكري الإسلامي لاعتبارات يطول شرحها. السعودية بالمقابل جمعت في هذا التحالف 40 دولة من ضمنها تركيا، ونستطيع ان نقول ان الرياض تسعى لتفعيل هذا التحالف ليقف سدا منيعا امام تمدد المشروع الإيراني الذي بدأ يتراجع في اليمن ويترنح في سورية.

صحيح ان المهمة ليست يسيرة وتحتاج الى جهد كبير فعلى سبيل المثال هناك بعض الدول المشاركة لديها مواقف سياسية معينة من بعضها البعض ما قد يعطل التعاون الفعلي، ناهيك عن تصنيف هذه الجماعة أو تلك من كونها تنظيماً إرهابياً أم لا. ومع ذلك هناك من يرى السعودية بقيادة الملك سلمان قادرة على لم الشمل وربما قد تبادر الى تقريب وجهات النظر وحل الخلاف وبما يؤدي الى مصالحة ما بين الطرفين قبل قمة إستانبول الإسلامية.

لا شك ان التقارب المصري - التركي أولوية سعودية في تقديري كونه يدفع بتوحيد الصف ومواجهة ما يحاك من مشروعات تستهدف العالمين العربي والإسلامي.

الزميل حسن نافعة أشار في مقال له بجريدة الحياة إلى ان "مختلف التيارات والقوى الفكرية والسياسية والاجتماعية في كل من مصر والسعودية تدرك أهمية العلاقات المصرية - السعودية، وأن الوصول إلى الصيغة الأفضل لهذه العلاقة يتنازعه نهجان: الأول، يرى أن لكل من مصر والسعودية نظاماً سياسياً واجتماعياً مختلفاً، وأن العلاقة بينهما يجب أن تحدد على أساس ثنائي بحت وفق رؤية كل من النظامين لمصالحه... ومن ثم يتعين إدارة العلاقة بين البلدين على أساس «المقايضة»، والمعاملة بالمثل و«خذ وهات»".

كان نافعة موضوعيا عندما أشار إلى انه لا يتفق مطلقاً مع هذا النهج، كونه يستند على رؤية ضيقة، وقد يصلح كمسكّن وليس كعلاج للأمراض المزمنة وأخيرا انه اختُبر كثيراً، ويعد مسؤولاً إلى حد كبير عن حالة التردي التي وصلت إليها أوضاع العالم العربي". اما النهج الثاني كما ذكر يتسق مع ما طرحناه آنفا وهو صلب مقالنا هنا فهو "يرى أن مصر والسعودية تشكلان العمود الفقري لنظام إقليمي عربي مأزوم ويحتاج إلى رافعة لا يقدر على توفيرها سوى تحالف استراتيجي بين البلدين"، وذلك برسم "علاقتهما الثنائية وفقاً لمتطلبات واحتياجات الأمن القومي، وليس العكس".

بطبيعة الحال نراهن هنا على موقعية السعودية وفاعلية دورها بانفتاحها على الجميع ما يساهم في حلحلة الازمات التي تعيشها المنطقة.

صفوة القول: المؤمل ان يصل الزعيمان وفي هذا الوقت تحديدا الى رؤية تُعيد صياغة ترتيب الأولويات بما يحمي الامن القومي العربي ويواجه الإرهاب فتوافق الرياض والقاهرة فيما بينهما على حزمة المصالح ونوعية التهديدات يعني بناء تكتل قادر على التعاطي مع التحديات الراهنة ويعزز بناء منظومة العمل العربي المشترك.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.