.
.
.
.

المفاهيم كائنات حية

عبد المحسن هلال

نشر في: آخر تحديث:

تغير الدول اقتصاداتها كلما اقتضت الحاجة، والتغيير أمر آخر غير التطوير والإصلاح، هذان تقوم بهما كل الدول تقريبا بهدف مسايرة التقدم العلمي والتقني المتسارع للاستفادة من معطياتهما في تسيير عجلتها الاقتصادية، أما التغيير فيهدف لإعادة تدوير الاتجاهات وتبديل القواعد واستبدال العجلات. مع الجهود الحالية الحثيثة والمحمودة للتغيير في اقتصادنا الوطني، تظل هناك عدة مفاهيم تحتاج بلورة لتواكب هذا التغير الطموح في اقتصادنا الوطني، مفاهيم مثل دولة الرفاه ودولة الخدمات، اقتصاد ريعي واقتصاد إنتاجي، قطاع خاص وطني رائد وقطاع خاص طفيلي، قطاع عام فعال وقطاع عام خامل وجملة مفاهيم أخرى لا مجال لحصرها.
أما دولة الرفاه فقد خبرناها طويلا وتمتعنا بخيرها كثيرا، كانت حلما جميلا أفقنا منه على وقع تهاوي أسعار النفط وعلى تأخرنا في إيجاد مصدر آخر غير النفط لاقتصادنا برغم ذكر ذلك في كل خططنا الإستراتيجية على مدار نصف قرن، وبرغم مرورنا بذات الأزمة سابقا، ربما لم نكن جادين بما يكفي بسبب سطوة التفكير النفطي طوال هذه المدة. أما وقد بدأنا فمرحى، بيد أنه يتطلب تدرجا في إفهام الناس للانتقال من دولة الرفاه إلى دولة الرسوم، وهو نفس التدرج الإلزامي للانتقال من الاقتصاد الريعي للإنتاجي، الأول يتطلب هبة إعلامية لتوعية الناس وإقناعهم بجدوى وأهمية التغيير، بتجديد مفاهيم مثل قيمة الوقت وأهمية العمل وضرورة الترشيد، ترافقها ولا شك عدة قرارات إدارية ملزمة بهذا المسار أو ذاك.
أما الانتقال من الاقتصاد الريعي، بعض يسميه الأبوي، إلى الاقتصاد الإنتاجي فيلزمه تغييرا جذريا في طرق التمويل والمحاسبة ويتطلب إعداد موازنات خاصة غير طريقة ميزانيتنا العتيدة، يحتاج أداء حكوميا دون تعقيدات بيروقراطية، يحتاج فكرا إداريا جديدا، ولا يكتمل إلا بوجود قطاع خاص وطني تكون له الريادة في صنع كيانات اقتصادية ضخمة، بمساعدة الحكومة نعم ولكن رائده تشغيل أيدي أبناء الوطن بخلق وظائف تخلق دخولا تشتري سلعا فتكتمل الدورة الاقتصادية للبلد فينتعش اقتصاده ويقوى.
التغيير الاقتصادي الهادف لتنويع مصادر الدخل يسعى لبناء وتأسيس قواعد جديدة لهذه المصادر، وهو ما رشح من معلومات حول تحولنا الوطني المزمع، وإن كنا بحاجة للمزيد من المعلومات، وهو تحول ممكن وميسور تتيحه نسبة الشبيبة من سكاننا القابلة للتأهيل والعمل، بالخصوص في المجال التقني الحاسوبي، هذا المجال وحده سيخلق قوة عمل تنوع مصادر دخلنا، السياحة وتطوير مناطقها التاريخية والطبيعية مجال آخر، كذلك الطاقة البديلة. كل المجالات متاحة أمامنا والحمد لله، نحتاج فقط العزيمة والإخلاص.

*نقلاً عن صحيفة "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.