المبتعثون الطائفيون

محمد العباس
محمد العباس
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

تجمع الدراسات على أن (الآخر) ضرورة لأي نهضة حضارية. إذ لا يمكن للمجتمع المنغلق على نفسه أن يتطور أو يتجدد، لأنه يتداول مسلماته ويقينياته بمعزل عن أي قيمة مضادة. فهو أشبه ما يكون بالتربة التي استنفدت كل عناصر صلاحيتها وتحتاج إلى التسميد. ومجتمعنا، الذي يوصف بالمحافظة، كان وما زال عرضة لموجات من التواصل مع الآخر بأشكال مختلفة، وعبر مراحل تاريخية تتقارب وتتباعد باختلاف الظروف. حيث كان لوجود الخبرات الأجنبية في مجال التربية والتعليم، وفي القطاع الاقتصادي، والحقل الإعلامي، وحتى الرياضي دورها في تغيير البُنى والأفكار والممارسات والتصورات التي نشأنا عليها.

وربما كانت الموجة الأخيرة لبرنامج الابتعاث الذي بدأ قبل عقد من الزمن هو أوسع وأكبر لحظة انفتاح لمجتمعنا على مجتمعات وثقافات الآخر. وقد أُريد من خلاله استكمال برامج الابتعاث السابقة ورفد القطاعات الحكومية والأهلية بالكفاءات العملية والمهنية بشروط سهلة وميسرة. وتأهيل أكبر قدر ممكن لسوق العمل. حيث توسعت قائمة الدول التي استقبلت المبتعثين في مشارق الأرض ومغاربها. كما اتسع هامش التخصصات المسموح بها. لتتقاطع مع مستوجبات التنمية في اللحظة المعاصرة. وبلغ عدد المبتعثين حدًّا غير مسبوق من الجنسين، وفي كل الحقول تقريباً. وذلك لتأصيل فكرة الموارد البشرية، المطلوبة سواء للعمل أو البحث العلمي. والتأكيد على أهمية بناء جيل معرفي وثيق الصلة باقتصاد المعرفة.

وقد كان من المتوقع أن يُختلف على البرنامج اجتماعياً وتربوياً وأخلاقياً وعلمياً. وتلك دلالة صحة وعافية للمجتمع الذي يجادل قضاياه وصيرورته. مهما بلغت درجات الرفض والتعنّت. حيث يمكن قراءة بعض علامات التبرّم والاحتجاج من منطلق واقع مجتمعنا المحافظ، وبموجب وجود قوى اجتماعية تتصارع حول سكونية القيم وتجديدها وهكذا. وهو جدل كان وما زال يحتل مساحة في الوعي الاجتماعي. إلا أن بعض الأمور لم تكن في حسبان القائمين على البرنامج، أسوأ وأخطر من كل الملاحظات الاجتماعية المعتادة، القائمة على ثنائيات الأصالة والمعاصرة، القدامة والحداثة وغيرها. حيث ظهرت مجموعة من الأعراض والوقائع التي لا تشكل خطورة على استراتيجية البرنامج وحسب، بل على فكرة الوطن.

نطالع بين فترة وأخرى خبراً عن تغيّب أحد المبتعثين وانقطاع أخباره لنفاجأ بالتحاقه بأحد التنظيمات الإرهابية. وهذه الحوادث ليست بذلك القدر الذي يمكن أن نتعامل معه كظاهرة. وإن كانت بشكلها المتفرق والمتقطع تشكل قلقاً، وتستلزم شيئاً من المعالجة. لكن هناك ظاهرة تفصح عن نفسها بقوة من خلال منظومة الرسائل الصادرة عن فئة عريضة من المبتعثين. وتتمثل في تبني الخطاب الطائفي بشكل صريح. حيث يلاحظ أن هناك من نذر نفسه ووجوده في الخارج ككائن طائفي لا كمواطن ينتمي إلى وطن جامع. وهي إشارات يمكن التقاطها عبر ما يكتبه بعض المبتعثين في مواقع التواصل الاجتماعي. وإصرارهم على تقديم أنفسهم كممثلين لتيار أو فئة أو طائفة أو مذهب. وبلغة فجة تحت عنوان حرية الاعتقاد والتعبير عن الرأي.

بعض المبتعثين خرجوا من هنا وهم في كامل صحتهم الوطنية. وهم في حالة من التعافي من مختلف الأمراض الطائفية والمذهبية والعنصرية والقبلية. ولكن، ما أن وصلوا إلى هناك، حتى تحولوا إلى كائنات مغايرة. محقونة بكل طاقة السعار الطائفي. لأن هناك من التقطهم وحقن حواسهم بفكرة الخوف من الآخر، والتعامل معه كعدو. وهناك من أوهمهم بأن الانغلاق على (الجماعة) يعني شد عصبها ودحر الطائفة الأخرى. إذ لا يخفى وجود بؤر استقطاب خارجية قادرة ليس على استقطاب المبتعثين وحسب، بل تجنيدهم ضد الوطن. وهي وقائع تتكشف في وسائل الإعلام باستمرار. كما لا يخفى أن بعض المبتعثين من الشباب تحديداً، يجدون في التجمعات المذهبية الخارجية امتداداً عضوياً، روحياً وفكرياً، لما أراد المجتمع له هنا أن يعيش به. وهو الأمر الذي يعزز فرصة تعميق التمذهب، ورفض الانفتاح على الآخر بكل أطيافه.

يُفترض ان يكون للمبتعث مرجعية وطنية، وتلك إحدى ركائز برنامج الابتعاث. ولكن يبدو أن خللاً ما يعتور البرنامج في هذا الصدد. ولذلك يتجاوز بعض المبتعثين مرجعية تمثيل الوطن ليمثلوا تيارات داخلية وخارجية. خصوصاً أن المبتعثين، وبمقتضى اللحظة الالكترونية المنفتحة، لم تعد تسمح بالانفصال عما يجري في الداخل من مهاترات طائفية، وما يحفّ بها من توترات اقليمية. الأمر الذي يؤدي إلى انعكاس كل ذلك الاحتراب على المبتعثين. وبالتالي يؤسس لذات طائفية تضع قدماً على سُلم الحضارة في العالم المتقدم المعاصر، وأخرى تتخثر في لحظة آفلة. وهو الأمر الذي يؤدي إلى الانفصام الفكري والشعوري. وعليه، تلجأ تلك الذات إلى الكهف الطائفي لتستشعر الأمان والقوة وربما المكانة.

الوطن الذي ابتعث أبناءه وبناته إلى الخارج، إنما خطط وبذل وصرف ليستقبل في نهاية المطاف خبرات مؤهلة لتنميته. وكفاءات قادرة على البناء والتعايش. وليس فقهاء في التحريم والتحليل ودحض معتقدات الآخر. كما أن الوطن الذي غامر بدفع أكبر قدر ممكن من المبتعثين إنما أرادهم أن يستجلبوا معهم آخر ما ابتكره الآخر من معارف ونظريات ومناهج وتقنيات وعلوم، لا أن يحمل معه حروب الداخل ويعمل على توطينها في الزمان الذي يذهب إليه والمكان الذي يقيم فيه. وهو ما يعني أن أي عبارة طائفية، تحمل إشارة من إشارات الكراهية لفئة أو جماعة، يرمي بها مبتعث في مواقع التواصل الاجتماعي، هي بمثابة علامة على كائن طائفي لم يخن الرسالة العلمية التي يُفترض أن يؤدي فروضها وحسب، بل يشكل خطورة مستقبلية على السلم الاجتماعي. وأنه لا يستحق الفرصة التي وهبها إياه وطنه. فهو ليس في المحل ولا المقام الذي يوزع فيه صكوك الطهارة والوطنية. وللوطن معياره في تقدير قيمة ومكانة وكفاءة من ابتعثهم وأمّل عليهم.

*نقلاً عن صحيفة "اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.