.
.
.
.

لقاء الملك ببابا الأقباط

محمد العصيمي

نشر في: آخر تحديث:

سجلت زيارة خادم الحرمين الشريفين إلى مصر خطوة أخرى غير مسبوقة في سياق عدد من الخطوات المماثلة التي تحدث للمرة الأولى في تاريخ العلاقات بين البلدين. هذه الخطوة هي لقاء الملك بابا الأقباط المصريين، البابا تواضروس، الذي كان مغتبطا ومثمنا لفرصة لقائه (الملك السعودي) الذي حدثه عن سماحة الأديان وأنه يكن لمصر والمصريين، بكل طوائفهم، تقديرا كبيرا، وأنه طالما قرأ مجلة (الهلال) المصرية باعتبارها من ضمن روافد الثقافة العربية التي كانت ذات حين روافد مصرية في أغلبها.

لقد بعث هذا اللقاء برسالة قوية مفادها أن سماحة الدين الإسلامي تستوعب المختلفين وتفتح معهم خطوط التقاء ومحبة من أجل مصلحة الجميع، إذ لا يمكن أن تنسجم الشعوب أو تتحد الأوطان والمجتمعات من دون أرضية مشتركة يلتقي فيها الناس على (المصلحة) التي لا تستثني أحدا من وطنيته ولا تقبل توزيع الألوان الوطنية بين لون أول ولون ثان أو ثالث. هذا الأمر ينطبق على المملكة وعلى مصر وعلى كل بلد في الدنيا. وقد دلت عليه التجربة التي نراها منسجمة في دولة ومضطربة في دولة أخرى، بحسب مقتضيات التعقل والحكمة في تقاسم الوجود والمصالح بغض النظر عن الانتماءات الدينية والمذهبية.

دول عدة تحولت إلى دول فاشلة لأنها أعطت التفريق بين مكوناتها البشرية، على أساس الدين أو المذهب، مجالا مكن أعداءها الداخليين والخارجيين منها. وهي الآن تحاول لملمة شتات شعوبها التي تتقاتل بفعل النفخ الطائفي الذي ساد فيها وتُرك ليتمدد إلى أن بلغ حدودا يصعب أو يستحيل التنبؤ بمداها. ولذلك من المهم أن يؤخذ لقاء خادم الحرمين الشريفين بابا الأقباط، كما يؤخذ كل لقاء مماثل، على أنه فرصة يتجدد معها الوعي العربي بأن الاختلاف لا يفسد للود قضية، سواء على الصعيد الوطني أم الصعيد الإقليمي الذي لا مناص من التشارك في أحداثه ولا مجال لعزل أي مكون بشري عن سياقاته ونتائجه. الدول العربية تحتاج أبناءها جميعا لخوض معارك التنمية التي تأخرت فيها كثيرا، فضلا عن خوض معاركها الحالية مع ما يتهددها من أجندات إقليمية ودولية.

ما أتمناه أن يبنى على هذه الخطوة التاريخية وأن يتم استيعاب الرسالة التي حملها هذا اللقاء الكبير من المؤسسات والأصوات الدينية والمذهبية على اختلافها لكي ننزع من عالمنا الفرقة التي أضعفت كياناتنا ومزقت مجتمعاتنا ولم نجن منها غير الخراب والدمار والخيبات المتوالية.

*نقلاً عن صحيفة "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.