.
.
.
.

مصر والسعودية جسرٌ ومئات المسارات

عبداللطيف الضويحي

نشر في: آخر تحديث:

المصريون الذين بنى أجدادُهم الأهرامات و شقُّوا قناة السويس والسعوديون الذين بَنى أجدادُهم القلاع والحصون، وحفروا باطن الأرض وأعماقها على طول الجزيرة العربية وعرضها، يقفون اليوم يدا بيد، يبنون جسرا يصل أفريقيا بآسيا ويقرّبون المشرق العربي مع المغرب العربي ويؤلّفون بين الطاقات البشرية المصرية والسعودية، يصهرُون طموحاتِ المصريين والسعوديين، تمتزجُ إرادة المصريين بإرادة السعوديين ويبنُون الاقتصاد السعودي مع الاقتصاد المصري.

عشرات الاتفاقيات بمختلف المجالات تجمعها الرغبة الصادقة ببناء شراكة حقيقية بين إرادتين وقيادتين وشعبين ودولتين. هي اتفاقيات غير مسبوقة بمردودها الاقتصادي والتنموي والاجتماعي المستقبلي المنتظر، ستجعل من شبه جزيرة سيناء ورشة عمل للطرفين، وبنك خبرات ومعرفة مشتركة، ونموذجا للعمل العربي المشترك. وجسرا يخدم ملايين المسافرين والحجاج ويسهم في رفع التبادل التجاري بين البلدين والقارتين، ويؤمِّن آلاف فرص العمل. فمشروع كهذا ستنعكس آثاره مباشرة على الشمال الغربي للمملكة العربية السعودية فضلا عن تأثيره على البلدين ككل.

يدرك السعوديون والمصريون أن اليوم ليس كالبارحة، وأن الوقت المتبقي لا يكفي لاغتنام ما تبقى من فرص، في منطقة أضحت اضطراباتها تتلاحق وتتلاطم في بحرها الفوضى العارمة، تنام بحال وتستيقظ على آخر. فالإرهاب يضرب بكل زاوية ويتهدد مقدرات الإنسان والأوطان. والتطرف يعصف بعقول الشباب ويتربص بمستقبل الأجيال القادمة. فلا الأوطان ولا الإنسان في مأمنٍ من متلازمة الشرق الأوسط العنيفة.

كما يدرك السعوديون والمصريون أن نصف الحياة لا يعني نصف الموت، وأن بإمكانهم أن يجعلوا من مصر والسعودية والوطن العربي أفضل من اليابان والصين والنمور الآسيوية مجتمعة، إذا ارتكزت الشراكة المصرية السعودية على العنصر البشري وإعادة إنتاج موارد بشرية مفيدة وإنتاج إدارة حقيقية.

الشعوب العربية تتوق لإعادة إنتاج عقولنا وقيمنا الحقيقية بعد أن تم مصادرة الكثير منها وتغييب البعض الآخر من قبل فئات انتحلت هويتنا وشوهت حضارتنا وقيمنا وثقافتنا في غفلة من التاريخ.

فبعد سنوات الحروب الباردة التي مرت بها منطقتنا كجزء من العالم ككل، وبعد سنوات من الحروب الساخنة التي أتت على البشر والشجر والحجر في عدد من الدول العربية خلال السنوات الخمس الأخيرة، أدركت شعوبنا العربية ربما حجم العمل المطلوب منها لردم الهوة بين الواقع والطموحات وأن هناك المزيد من العمل عليها أن تقوم به لتلحق بباقي الأمم الصناعية والأمم التقنية فضلا عن الأمم الحضارية.

كلنا يعلم مرارة الحروب ويعلم قبح الدمار والقتل والتشريد، ويعلم أن الحسنة الوحيدة للحروب هو أنها أهم مدرسة لتعليم الواقعية وترويض النفوس وبلورة الحقوق، لكن هذا لا يعني أن هذه الإنجازات لا تتم إلا بالحروب.

سادت قناعة فيما مضى بأن مشكلة العمل العربي المشترك هو أن العقول العربية في طرف وأن الأموال في طرف آخر، ثم ساد اعتقاد بأن المشكلة في العالم العربي هو أن السياسة تأتي قبل الاقتصاد، ثم ساد بعد ذلك اعتقاد بأن الدين والسياسة لا يعملان في اتجاه واحد. وأظن أن المشكلة الحقيقية في فشل عدد من تجارب العمل العربي المشترك، هو أننا نرفع سقف الطموحات والتطلعات ونغرق بالمثالية ونحلق بعيدا عن الواقعية، وننسى أن القرارات هي بداية العمل وليست نهايته.

كما أن من مشكلات العمل العربي المشترك غياب الإدارة أو ضياعها بين السياسة والاقتصاد، فالترجمة الحقيقية لأي مشروع هو إدارة موارده البشرية والمالية.

إن ما يجعل الرهان معقودا هذه المرة على نجاح الشراكة السعودية المصرية التي جاءت ثمرةً لزيارة الملك سلمان بن عبدالعزيز لمصر الشقيقة، ولقاء القيادتين السعودية والمصرية، وتوقيع العديد من الاتفاقيات بين الجانبين، أسباب منطقية وعملية لهذا النجاح المأمول وأبرزها الثقافة والآمال التي بدأت تتشكل مع إرهاصات برنامج التحول الوطني السعودي الذي يترقب الجميع في المملكة الإعلان عنه، فمن المتوقع أن يسهم مباشرة بترشيد الهدر وتقويم المعوج من السلوك الاستهلاكي وتقليص الفساد ورفع كفاءة القوى العاملة والموارد البشرية. كما أن تنسيق الجهود مع الأزهر لمكافحة الإرهاب مؤشر بالغ الأهمية على ما تحمله المرحلة القادمة. ومن حسن الطالع فقد جاءت إحدى الاتفاقيات بين الجانبين السعودي والمصري في مجالي النزاهة و مكافحة الفساد وهي صمام أمان لنجاح هذه التجربة من العمل المشترك بين البلدين الشقيقين، ناهيك عن الواقعية التي سادت مؤخرا في الثقافة العربية والمجتمعات العربية.

*نقلاً عن صحيفة "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.