عن أية عشوائية تتحدثون
وجود أحياء شعبية في مكة المكرمة يعتبر مثلبة من نواح عدة، أقرب تشبيه له اقتطاع جزء من مشعر منى يوم النحر لأي سبب كان. بفتح باب العمرة طوال العام أصبحت حاجتنا ماسة لكل متر مربع في العاصمة المقدسة خدمة للحجاج والمعتمرين أولا، وتعويضا لما تم هدمه من أحياء كانت تعج بسكانها ثانيا، أما ثالثا وحتى عاشرا فلنحسن استخدام المساحة المحدودة لخدمة ضيوف الرحمن الذين سيصل عددهم للخمسين مليونا سنويا حسب وزارة الحج.
صرح أمين عام الهيئة العليا لتطوير مكة المكرمة والمشاعر المقدسة أن وضع الأحياء العشوائية في العاصمة المقدسة «لا يرضي أحدا»، وبعد أن نوه باهتمام الدولة بتطوير العشوائيات بكل المدن وفي مكة بصفة خاصة، الذي أنشأت له لجانا عدة وصدرت توجيهات متعددة، سواء من رأس الدولة أو أمير المنطقة، بتسريع إنهاء ملف العشوائيات، أضاف، في تصريحه إلى «عكاظ» الاثنين الماضي، بتزامن التطوير مع بدائل أخرى للسكن سيتم توفيرها من خلال لجان استثمار الأحياء العشوائية. مؤكدا أن وضع العشوائيات لا يرضي، ومؤكدا كذلك اهتمام القيادة، لكن أين المردود، أين النتيجة بعد كل سنوات الانتظار هذه؟
يبشرنا سعادة الأمين بمشروع تطوير منطقة الكدوة القريبة من المنطقة المركزية بكونه نقلة نوعية في تطوير الأحياء العشوائية، مرحى بذلك مع أن مساحتها صغيرة مقارنة بباقي العشوائيات المنتشرة حول مكة والتي تستحق الأولوية، ستوفر مساكن أكبر للكثرة التي تركت مساكنها وأحياءها القديمة تلبية لنداء توسيع المسجد الحرام ومرافقه. ما يعطل استثمار المناطق العشوائية عشوائية التخطيط لها، ونأمل أن ينحصر كامل تخطيط مدينة مكة في جهة مركزية واحدة، ولعل هيئة تطويرها تقوم بذلك في ثوبها الجديد، ولتنفيذ هذه المخططات هناك شركات عالمية كبرى مستعدة للاستثمار وبشروط أكثر يسرة ورحمة من معظم مستثمرينا المحليين وبجودة أفضل.
كانت وما زالت أمانة العاصمة المقدسة وأذرعها الاستثمارية الصغيرة، إضافة لعدة جهات تخطيط أخرى، السبب الرئيسي في انتشار العشوائيات، فالأمانة تصل دائما متأخرة وبعد امتداد التعمير العشوائي وأذرعها الاستثمارية تفرض شروطا معسرة، وتتضارب تخطيطات الجهات الأخرى. تكمن عشوائية أكبر في اقتصار دور الأمانة بالموافقة على طلب صاحب مخطط لتقسيمه وبيعه، تشترط وجود شوارع وإنارة وأماكن للخدمات العامة، لكنها تغفل أهم البنود بإنشاء البنية التحتية قبل البدء بالبيع، ثم ما تلبث أن تنشأ حول هذا المخطط «الجديد» أحياء عشوائية بعيدة عن رقابة الأمانة والهيئة معا، حي الحمراء قديما ظل يعتبر حديثا لثلاثة عقود لم تصله الخدمات، حي العوالي حديثا نشأت بأطرافه مناطق عشوائية، وبينهما عدة أحياء قديمة ومحدثة لم تنل بلح الشام ولا عنب اليمن.
نقلاً عن صحيفة "عكاظ"