فتح الصناديق السوداء.. أرامكو مثالاً
منذ عشرات السنين، بقيت بعض القضايا في مجتمعنا أشبه ما تكون بالصناديق السوداء، لا نعرف مضمونها، ولا نُحاول أن نفتحها لنعرف ما فيها، فقد نشأنا وترعرعنا على أن مثل هذه القضايا أو الموضوعات لا يقترب منها أو يتحدَّث فيها أحد، ومن تلك الموضوعات شركة أرامكو السعودية، والتي تُعدُّ أكبر شركة نفط في العالم، وقد قال عنها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي ولي العهد في معرض اللقاء الذي أجرته معه قناة العربية مؤخرًا: (كان الناس في السابق يتضايقون أن ملفات وبيانات أرامكو غير مُعلنة، غير واضحة، غير شفَّافة، اليوم «بتصير» شفافة، إذا طُرحت أرامكو في السوق يعني لازم تعلن عن قوائمها، لازم تعلن عن كل ربع، ويصير تحت رقابة كل بنوك السعودية، وكل المحللين والمفكرين السعوديين، بل كل البنوك العالمية، وكل مراكز الدراسات والتخطيط في العالم سوف تُراقب أرامكو بشكلٍ مُكثَّف).
بل إن مُقدِّم اللقاء الأستاذ تركي الدخيل وصف موضوع طرح أرامكو للاكتتاب أو جزء منها بأنه لن يكون - وكما يقول البعض- اعتداء على (مقدَّس)، بمعنى أنها كانت شيئًا شبه مُقدَّس لا يتحدَّث فيه أحد، وكان تعليق سمو الأمير على هذا السؤال بأن هذه مشكلة كبيرة جدًا.
هناك الكثير من الموضوعات الأخرى المُشابهة لموضوع أرامكو، مثل الصناديق السوداء المغلقة، بل إن البعض جعل منها مثل المُقدَّسات التي لا يتم التطرُّق إليها، ولا يتم الحديث عنها، أو حتى محاولة معرفة أسباب وجودها بشكلها الجاري، فضلاً عن العمل على محاولة تغيير وضعها التي بقيت عليه منذ عشرات السنين، فغياب البنى التحتية لشبكات الخدمات في بعض المدن لم يُعرف سببه حتى الآن -على الرغم من الإعلان عن الموازنات.. ووجود بعض المنظمات والهيئات والأجهزة الإدارية التي لا نعرف ما هو عملها كان من الأشياء القديمة التي لا يتطرق إليها أحد أيضًا، إضافة إلى بعض الملفات الاقتصادية، وبعض القضايا الاجتماعية، والأنظمة والقوانين، وبعض اللوائح التنفيذية المُطبَّقة، والتي يشوبها العديد من الملاحظات، بل ويعمل فيها المئات أو الآلاف من الأفراد، ولا تعرف جدواها أو سبب وجودها، ولكنها هكذا وُجدت واستمرت وبقيت حتى أصبحت كالصندوق الأسود.
المُؤمل في المرحلة الحالية الجديدة التي تتَّسم بالحزم والعزم، والشفافية والوضوح، أن تُفتح جميع الصناديق السوداء المُغلقة، ليَعرف المجتمع كافة الأمور التي ترتبط بمصالحهم، والخدمات التي تُقدَّم لهم، لنزيل من الأذهان بعض الأوصاف عن بعض القضايا التي لم تتغير منذ زمنٍ طويل.
*نقلاً عن "المدينة"