التجربة السعودية.. الديمقراطية والحكم الرشيد

عبد الله موسى الطاير
عبد الله موسى الطاير
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

وصول السيد صادق خان إلى هذا المنصب بعد أن سبقه رئيس من أصول إفريقية مسلمة إلى رئاسة أقوى وأعظم دولة في العالم وهي الولايات المتحدة الأميركية وحكمها لفترتين رئاسيتين أثار الكثير من الجدل والنقاش على وسائل التواصل الاجتماعي العربية بين مشيد بالتجربة الديمقراطية الغربية ومشكك فيها، وآخر غارق في المؤامرة. ولكن لا يمكن إنكار حالة الانبهار والإعجاب بنمط الحكم الغربي ومؤسساته، فهي تستحق الإشادة كما أنها تطرح تساؤلات قلقة في أحايين أخرى عندما يتعلق الأمر بالسياسات الخارجية والمعايير المزدوجة وعندما تدفع بمعتوهين وشواذ وعنصريين إلى سدة الحكم أو إدارة الشأن العام. وفي حين تحقق الممارسة الديمقراطية في المجتمعات الغربية إنجازات وإخفاقات على حد سواء. يبقى السؤال مشروعاً عن البديل أو المكافئ لها في هذا العالم الفسيح. وبصيغة أكثر قرباً هل يستطيع الموروث الإسلامي والعربي إنتاج أدوات للحكم تأخذ بناصية الدول إلى الحكم الصالح بعيداً عن استنساخ أو استنبات الديمقراطيات الغربية؟ سؤال ليس من العمق بحيث تتعب الأفهام في الإجابة عنه، ولكن ما يكتنف الجواب من مخاطر تجعل الولوج إلى المحاولة مغامرة تتطلب همة عالية.

اسمي صادق خان وأنا عمدة لندن، بهذه الافتتاحية السينمائية تسلم منصبه بعد حملة انتخابية مشحونة بالكراهية. فالمنافس زاك جولدسميث وظّف أساليب غير أخلاقية لإسقاط منافسه؛ حيث اتهمه بالتطرف، ومعاداة السامية، ومورس ضد السيد خان خطاب إقصائي كونه مسلماً ومن أصول باكستانية. تم تضخيم هاجس الأمن، واستدعي خطر الإرهاب من أوسع أبواب المؤامرة والتهم المعلبة، ولكن لندن رفضت التخويف والتهويل واختارت من رأت فيه خلفاً للعمدة المثير للجدل بوريس جونسون الذي ينتمي لحزب المحافظين الحاكم. وبانتخابه يكون السيد صادق خان العمدة الثالث للندن منذ العمل بنظام الانتخاب المباشر لعمدة لندن عام 2000م. وبعيداً عن الخلفيات العرقية والعقدية فإن كلاً من جولدسميث وخان مواطنان بريطانيان ينتميان لحزبين سياسيين كبيرين من حقهما أن يترشحا لأي منصب في المملكة المتحدة دون أن يحول اللون أو المعتقد أو القناعة السياسية بين الشخص وممارسة حقه الذي كفله الدستور البريطاني.

فمن هو عمدة لندن الجديد؟

ولد صادق خان عام 1970م في لندن لعائلة باكستانية مهاجرة، وتم انتخابه عضواً في مجلس العموم (البرلمان) عام 2005م، وشغل في عام 2008م منصب وزير دولة لشؤون الجاليات في حكومة العمال التي رأسها جولدن براون، فوزير دولة للنقل، وعندما خرج العمال من الحكم شغل عدة مناصب وزارية في حكومة الظل تحت زعامة إد مليباند. ولندن تعد أكبر عاصمة غربية مسيحية الهوية، وتضاهي في أهميتها أو تتجاوز في مكانتها التاريخية والثقافية والاقتصادية العواصم الأوربية والأميركية الشمالية، ولذلك فإن التاريخ يتوقف متأملاً يوم السبت 7 مايو 2016م حيث تسلم أول عمدة مسلم مهام إدارة شؤون هذه المدينة الضخمة والعريقة والمهمة. فهل ستكون لندن آمنة، نامية، متعايشة في عهده؟ أم قلقة مرتبكة، خائفة مترقبة؟ تصعب الإجابة في اليوم الأول لتسلم الرجل مسؤولياته، ولكن صناديق الانتخابات سوف تجيب ببلاغة عن السؤالين السابقين مع نهاية الفترة الأولى للعمدة في عام 2020م.

الديمقراطيات الغربية تمد دولها بشرعية متجددة، وبذلك تطيل عمرها الافتراضي الذي يقدره ابن خلدون بجيلين أو ثلاثة، كما أنها تمنح مواطنيها فرصاً متكافئة فيشعرون بأن لكل منهم حقاً معلوماً، وعليه التزامات محددة. وهي في نهاية المطاف إجماع أو أغلبية على وضع سياسي قائم أو مأمول بغض النظر عن حسن أداء الإدارة التنفيذية من عدمه. ويبقى السؤال المهم: هل الحكم في تلك الديمقراطيات حكم صالح؟ الجواب البدهي نعم، فعلى الرغم من الضرائب الباهظة التي تثقل كاهل المواطنين والمقيمين، وشظف العيش وخشونة متطلبات الإنتاج الذي يرفع المواطن اليوم إلى وظيفة محترمة ويقذف به غداً إلى ناصية أقرب شارع يتسول فيه لقمة عيشه وينام فوق رصيفه، فإنهم يؤمنون بأن العقد الاجتماعي وآلياته تضمن سلامة الطريق إلى الحكم الرشيد بغض النظر عن رأي الأقلية المحكومة بإرادة الأكثرية.

ولكن هل يمكن تحقيق الحكم الصالح بدون ديمقراطية؟ جوابي للوهلة الأولى هو بالإيجاب، فالديمقراطية ليست غاية في حد ذاتها وإنما وسيلة لتحقيق الحكم الصالح، وإذا تحققت هذه الغاية بأية وسيلة أخرى فإن الحكم حينذاك يكون راشداً. وأفضل ما في الحكم الرشيد سواء أكان الوصول إليه عن طريق الديمقراطية أو غيرها من الوسائل هو تحقق العدل، والفرص المتكافئة. وأية ديمقراطية لا تقوم على أحزاب تتبنى القيادات الفذة غير القادرة مالياً واجتماعياً على تقديم نفسها لإدارة مؤسسات الوطن فإنها ديمقراطية صورية هدفها الأخير هو العملية ذاتها وليس تحقيق الغايات الكبرى لها من عدل وحرية ومساواة وكرامة.

التجربة السعودية في الحكم إذا درست علمياً تعد واحدة من أميز تجارب الحكم في المنطقة العربية، وإذا تتبعنا سيرة الملوك من المؤسس -رحمه الله- إلى الملك سلمان نجد أنهم ينشدون الحكم الصالح، ويمارسونه بذواتهم مستندين إلى قيم ومبادئ وتقاليد دينية وأخلاقية وأخرى توارثوها في بيت الحكم. فكيف يمكن للباحثين والمشتغلين بالفكر السياسي أن يطوروا عمل المؤسسات بهذه التجربة الثرية مستفيدين من موسوعية الملك سلمان سواء في ممارسة الحكم أو في ثراء المعرفة في جوانبها المختلفة. وهناك مؤشرات للتفاؤل بوجود إرادة وفكر شبابي متعلم ومثقف حول صانع القرار يرمق المستقبل بالكثير من الأمل والطموح في ترسيخ هذا البناء السياسي الذي يعد بحق من أميز تجارب الحكم في محيطه.

ولو استحدثت هيئة عليا لشؤون الحكم تضم في عضويتها خبراء سعوديين متمرسين في المعرفة والتطبيق فإنني على يقين أننا سوف نرفد تجربة الدولة في الوطن العربي بأنموذج للحكم الصالح يكون علامة سعودية مسجلة وتستفيد منه الدول الحائرة التي تاهت بين تطبيق وسائل الديمقراطية من انتخابات وأحزاب من أجل الوسائل لا غير، وبين دكتاتوريات الحاكمين بأمرهم ومن أجل مصالح ضيقة ويقفون في وجه أية محاولات للوصول للحكم الرشيد.

* نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.