.
.
.
.

الواقع وتزييف الوعي

ملحة عبدالله

نشر في: آخر تحديث:

لماذا يتوارى العلماء خلف المشهد؟ ولماذا يسود أنصاف المثقفين أو قل المتثاقفين المشهد؟ ولماذا هذا الستار الخفي على قمم الوعي والعلم والعلماء؟

يا سادة لم يعد في الوقت بقية كي نمسك بأهداب المعرفة والوعي، ولكي نستثمر رؤوساً دارت في فضاءات الثقافة الرحبة فأنتجت!.

قبح الله زمن "الفيس بوك وتويتر" الذي يمقته العلماء ويتسابق عليه ذوو الكرات المستديرة بين أكتافهم.

يا سادة بيننا علماء أجلاء وعظام، بيننا من هم في مصاف العقاد وطه حسين والرافعي وغيرهم ممن تباكينا عليهم لأنهم رحلوا، ونحن من يجيد ويحسن البكاء على الأطلال!.

دعونا نفكر ملياً في واحد من هؤلاء العلماء ونستقرئ ونحكم سوياً على ما نتعاطاه كل يوم من تزييف وعي وهراء وإهدار الوقت الثمين إن أردنا التدقيق!

وقفتُ بباب شقته في شارع مصدق ليفتح لي أحد أحفاده ولأدلف إلى الداخل وأجيبه: أنا فلانة. وقف ملياً وقال إنه نائم. شعرت حينها أنه يجب أن أمشي على أطراف أصابعي، إحساس غريب بالرهبة وبالحرص على السكون لأنسحب في بطء معتذرة لهم. حينها أحسست أني في محراب علم يجب أن أوقره وأهابه هكذا تعلمنا قيمة العلماء وإجلالهم وهو ما نفتقده هذه الأيام. وعدتهم بالعودة في صباح الغد. وفي الصباح الباكر وجدته يتصل بي ليعتذر على نومه المبكر. يا الله عالم في عامه الواحد والتسعين يعتذر لتلميذته عن نومه المبكر! إنه تواضع العلماء الذي لم نعد نعرفه. ثم إنه خوفه على مادة وضعتها بين يديه لكي يحققها، الخوف والتواضع للعلم والقلق الدائم عليه. أين الساحة الثقافية منه ومن علمه ومن كلماته، بالرغم من اهتمام البعض الذي يأتي كاستغلال له وليس للمنفعة العلمية والثقافية وهناك فرق كبير!

هذا العالم هو الدكتور حسين نصار تلميذ مصطفى السقا وشوقي ضيف وطه حسين، إنه شيخ المحققين وصاحب معجم العربي. هو أول من حقق ديوان سراقة البارقي، وديوان ابن الرومي في ستة مجلدات، هو أحد محققين مركز التراث بدار الكتب، ثم "معجم أحمد تيمور" في ستة مجلدات، و"ولاة مصر" لابن الكندي (ت350هـ)، واعتمد في تحقيقه على النسخة الوحيدة الموجودة بالمتحف البريطاني، و"رحلة ابن جبير"، وتحقيق الجزء 24 من كتاب "نهاية الأرب في فنون العرب" للنويري، وجمع وحقق دواوين: "جميل بثينة"، و"قيس بن ذريح" و"ابن وكيع التنيسي"، و"ديوان ظافر الحداد" وقدم لهذه الدواوين بدراسات رائعة. ثم يمتد عطائه إلى تحقيق النجوم الزاهرة في حُلي حضرة القاهرة، للأندلسي وديوان ظافر الحداد الشاعر السكندري في العصر الفاطمي وهو من أسس لدراسة مصر الإسلامية. ثم (يتجلى واضحاً في ترجمته مؤلفات لكبار المستشرقين، ليقدمها لقراء العالم العربي، من أجل أن تفتح أمامهم أفاقاً جديدة في مواطن الدراسة العربية، وظهرت مهارته في ترجمة كتاب "المغازى الأولى" للمستشرق يوسف هورفتس عام 1949م، و"دراسات عن المؤرخين العرب" للمستشرق مرجليوث ومقدمة المستشرق تشارلز ليال التي قدم تحقيقه لـ"ديوان عبيد بن الأبرص"، و"أرض السحرة" لبرنارد لويس، و"ابن الرومي حياته وشعره " للمستشرق روفون جت، وقد كان حسين نصار يرجع إلى المصادر العربية المطبوعة والمخطوطة التي يترجمها المستشرقون إلى الإنجليزية من مصادرها العربية. لم يترجم كتب الأدب فقط، بل تجاوزها إلى ترجمة عدة كتب في الموسيقى العربية ألفها الأيرلندي جورج فارمر (ت 1965م)، وهى: "تاريخ الموسيقى العربية حتى القرن الثالث عشر"، و"الموسيقى والغناء في ألف ليلة وليلة"، و"مصادر الموسيقى العربية")

وهو زميل ودفعة الجغرافي الكبير جمال حمدان وعملوا سويا بأكاديمية الفنون، كتب المسرح وعرضت أعماله على المسرح القومي بالقاهرة حينها عين رئيساً لأكاديمية الفنون بعد رشاد رشدي إنه صاحب جائزة الملك فيصل عام 2004م.

أين نحن من هؤلاء؟ قد يقول قائل الرجل كبر! لكنني أؤكد أنه لا يزال قارئاً جيداً ومحاضراً في جامعة القاهرة. المشكلة هنا في الإعلام وبرامج "التوك شو" والبحث عن الإعلانات ليزيد راتب المذيع الألمعي! لماذا لا تتبنى الدول العربية هؤلاء والإنفاق على طرحهم وطرح فكرهم للعامة وللشباب على وجه الخصوص؟ وهو ليس نصار فحسب وإنما هناك كثيرون أمثال الدكتور عبدالستار الحلوجي الذي عاش في خدمة المخطوط سنين طوالاً ولم يلتفت إليه أحد، والإعلامية د. عواطف عبدالرحمن ذات السابعة والثمانين عاما والتي اشتغلت على كل القضايا العربية، والدكتور فيصل الحفيان الباحث السوري ومدير معهد المخطوطات العربية بالقاهرة، والمفكر بشار عواد الأعظمي العراقي وهو من أعلام الوطن العربي في تحقيق التراث وهو شخصية العام التراثية عام 2016م.

يا سادة الإشكالية هنا تكمن في البرامج الإعلامية وخططها التي أطفأت الضوء عن فئة هامة وأضاءت على فئة بعينها، والمعالجة ليست في استضافة أو تكريم وإنما في إتاحة الفرصة لعطائهم لنا نحن، فلا يزال بيننا علماء عظماء تحتاج لهم هذه الفترة الحاسمة.

نحن جُل أبناء الوطن العربي جوعى. جوعى للمعرفة ولجيل العمالقة في زمن سادت فيه كلمة (الرويبضة).

* نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.