.
.
.
.

موعد مع الثراء

محمد اليامي

نشر في: آخر تحديث:

عندما أطلق العالم على خادم الحرمين الشريفين «ملك الحزم والعزم»، كان يدرك طبيعته وأسلوبه في القيادة، قيادة الشعب والسياسة السعودية، وكل ما يقع تحت مسؤوليته، بصفته ولي أمر مسؤولاً عن أهم دولة إسلامية.

وعند مواصلة التمعن والقراءة في التغيرات الأخيرة يبدو واضحاً هذا العزم والحزم، لكن أيضاً تبدو حكمة الملك المثقف وهو يعرف أن التغييرات الإدارية والتنفيذية وإعادة الهيكلة، وإن اتسمت بالقوة والسرعة، فلا بد معها من تفهّم إنساني لطبيعة البشر. فلم ينسَ أن يكون ضمن ثورته على البيروقراطية والتعطيل والترهل في الجهاز الحكومي أن يكون هناك ملمح «أنسنة» في ثنايا توجهاته، فجاءت الثقافة والرياضة والترفيه روافد أساسية لنهر التغيير.

لا أتفق مع من يقول بإخفاق خطط التنمية السابقة على الإطلاق، ولا أجامل قائلاً بنجاحها المطلق. تم كثير مما نصبو إليه، ولم نوفق في كثير آخر، وأحياناً لم تكن لدينا «الرؤية» بقدر ما كانت لدينا الرغبة في البناء، وربما كان عامل الوقت وطبيعة المجتمع سببين آخرين في أن تكون الخطط باحثة عن الأساسيات، وهي وجدتها في غالب الأحيان، لكن حدث إن لم توضع في مسارها الصحيح.

تطور المجتمع، وتحسنت نوعية القيادات التنفيذية، وحدث الأهم في المسيرة السعودية على يد الملك سلمان، وهو إدخال الشباب روحاً وعقلاً، فبات من المستحيل التفكير ومن ثم التنفيذ بعقليات الماضي.

عندما تزرع شجرة في حديقة ولا تعلّم الأطفال أهميتها للبيئة والبلاد والناس وحتى الكون فأنت فقط زرعت الشجرة، ولم تزرع الفكرة التي ينبغي أن تسقيها وتنبت غيرها في المستقبل.

وهكذا نحن اليوم، نبحث عن الثقافة لتغيير حتى مفاهيمنا عن التنمية والإنفاق، وكيف تكون علاقتنا بالأشياء، بدءاً من الشارع وانتهاء بالمشروع الحكومي أو الأهلي.

نحتاج إلى الترفيه حتى نتصالح مع أشياء وتركات اجتماعية أوقفت كثيراً من الإبداع، وجمّدت كثيراً من الأحاسيس عند نقاط «لا إنسانية محددة»، وكذا هي الحال في الرياضة وغيرها.

تقدم الأمم حضارياً وإنسانياً يأتي في لحظات اتخاذ قرارات خالدة، لحظة تجتمع فيها الخبرة الملكية العريقة بومضة العلم والثقافة في عقل الملك، الذي يعرف أنه سيدفع ببلاده ومواطنيه إلى آفاق أوسع من ضيق الرؤى وغلبة المخاوف والمصالح الذاتية والرغبة التي لا تنتهي في إبقاء الأمور على ما هي عليه.

لهجت الصحف ووسائل الإعلام بكل أشكالها في الأيام الماضية بالشكر للملك، وبالأمنيات بنجاح مساعيه، وبالأفكار والنقد والإسهام في إثراء كل هذه القرارات، وهذا هو المكسب الحقيقي الدائم.

التغيير الحقيقي يبدأ وينتهي بالناس، وإذا لامس حاجتهم وطوّر أسلوب معيشتهم وحقق لهم ما يرتقي بهم تفاعلوا معه وأسهموا فيه، حتى لو تغيرت عليهم أوضاع بعض الرخاء موقتاً، لأن ما سيجنونه مستقبلاً وتجنيه الأجيال لاحقاً هو رخاء أكثر واقعية، رخاء حقيقي عندما يكون الثراء في الجيوب والعقول والأرواح.

* نقلاً عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.