.
.
.
.

التدوير الوظيفي في الصناديق السوداء

عبداللطيف الضويحي

نشر في: آخر تحديث:

قد تكون بداية مشجعة ما قامت به وزارة الخدمة المدنية مؤخرا من استعدادها إطلاق نظام تدوير، رغم أنه سيقتصر على القوى العاملة «الفائضة عن الحاجة»، وهي خطوة محدودة جدا ومتأخرة جداً إذا ما عرفنا حجم الضرر والهدر الهائل الذي تتعرض له الموارد البشرية الحكومية نتيجة عدم قيام وزارة الخدمة المدنية بدورها كما يجب، بل وتسبب أنظمتها وفقهاء أنظمتها بالكثير من تلك الأمراض الإدارية سواء الناتج عن عدم التدوير أو عدم الاستفادة من التدريب في العمل وليس لمصلحة بعض الموظفين ذوي «الحظوة» لدى مديري شؤون الموظفين والشؤون الإدارية والمالية بشكل خاص في الوزارات والمؤسسات الحكومية والتي تراكمت بسبب أمراض إدارية على مدى عقود.
القطاع الحكومي أكبر القطاعات من حيث أعداد العاملين به ومن حيث حجم هياكله التنظيمية وعدد وحداته الإدارية وفروعه التابعة له، ففيه ما يقارب ثلاثة أرباع طاقات المجتمع من القوى العاملة بمختلف المستويات. هذا يعني شللا وإعاقة لطاقات المجتمع وموارده البشرية، إذا لم يحسن القطاع العام إدارة وتفعيل الموارد البشرية وابتكار أدوات كفيلة بتحفيز العاملين حسب قدراتهم واستعداداتهم للعمل والإبداع والتمييز بعدالة بين العاملين في القطاع العام على أساس تلك الاستعدادات والعمل والإنتاج والإبداع بكامل أخلاقيات المنافسة.
التدوير يجب ألا يقتصر على الراغبين به، وإلا لكررنا مشكلة التدريب عندما ترك للموظفين أنفسهم، ساهمنا بخلق شريحة من الموظفين لا هم لهم إلا جمع نقاط التدريب للحصول على الترقيات أو المكافآت وهذا أفرغ التدريب من هدفه. سؤالي للخدمة المدنية، لماذا تتم إعادة الطلب للخدمة المدنية، ولماذا لازالت الخدمة المدنية تستخدم خطابها الخشبي في «إبداء الرأي حول الطلب ودراسته»؟ ولماذا تصر الخدمة المدنية في عصر التعاملات الإلكترونية والبوابات الإلكترونية على حصر «الصلاحية لمديري شؤون الموظفين والموارد البشرية» في موضوع التدوير فقط؟
إن وظيفة «الخدمة المدنية» يجب ألا تتجاوز إحدى إدارات في وزارة التنمية الإدارية وإن كثيرا من الأخطاء التي يعاني منها القطاع الحكومي هو إخضاع فكرة التنمية الإدارية لجهاز ونظام بيروقراطي اسمه وزارة الخدمة المدنية.
في هذا السياق، يمكن الإشارة إلى أن من المفارقات أن يكون رأس جهاز الخدمة المدنية هو من يرأس الجهاز المناط به التطوير والتنمية الإدارية المتمثل بمعهد الإدارة العامة.
لا أظن شخصيا أن وزارة الخدمة المدنية بهذا الاسم ستكون قادرة على خوض غمار المرحلة القادمة ولا أجد في أنظمتها وأهدافها أفقا لتصحيح مسار القطاع الحكومي والمنتجات الحكومية التي يقدمها هذا القطاع بما ينسجم مع المتغيرات الجديدة والمنافسة وتحسين الأداء وثقافة السوق والتوجهات الاقتصادية التي أصبحت بوصلة العمل العام والخاص. وهذا التغيير يجب أن يشمل «الحرس القديم» في هذه الوزارة.
إن الموظفين الأحق بالتدوير الوظيفي هم العاملون في وزارة الخدمة المدنية، كي يروا العالم من زاوية أخرى. ففقهاء الخدمة المدنية يتشبثون بأنظمتهم وتفسيراتهم لتلك الأنظمة حسب أهوائهم ومصالح بعضهم ومن ورائهم، مديرو شؤون الموظفين في الأجهزة الحكومية ككل، هم يعتقدون أن قانون الجاذبية وكل القوانين الفيزيائية والكيميائية والرياضيات نابعة من أنظمة الخدمة المدنية.
إن إطلاق برنامج الملك سلمان لتنمية الموارد البشرية يمثل ركيزة مهمة من ركائز التحول الوطني والذي يفترض أن يشمل كافة الموارد الطبيعية والبشرية، وهو ما يحتم مراجعة أهداف وزارة الخدمة المدنية للمرحلة القادمة ودورها في التنمية الإدارية وتطوير الأداء وتحسين بيئة العمل في القطاع بما ينافس القطاع الخاص.
لا يجوز أن يقتصر التدوير على الراغبين ويجب أن يمتد لغير الراغبين كمكافأة للبعض وكعقاب للبعض الآخر من الموظفين. فكلنا يعرف أن التدوير آلية تضاهي كثيرا من الآليات المعمول بها من حيث تحقيق العدالة بين العاملين والتخلص من استبداد بعض المديرين والروتين والبيروقراطية وإطلاق المواهب والقدرات والإبداع ورفع المعنويات وتحفيزها للمزيد من العطاء الكمي والنوعي، فضلا عن سد النقص من الحاجة للقوى العاملة، وفوق كل ذلك تقطيع شبكات المصالح وحواضن الفساد التي عادة ما تتكون وتتشكل في المؤسسات وبين شلل المصالح في الجهاز الواحد.
مطلوب مزيد من الشفافية وفتح الصناديق السوداء لشؤون الموظفين والتي يتم فيها الكثير من الممارسات غير العادلة وغير الموضوعية وغير النظامية وصولا لبيئة وظيفية خالية من الأمراض الصحية.
وهذا لن يتحقق إذا لم تتم مراجعة وظيفة وزارة الخدمة وأهدافها وتحويلها إلى وزارة التنمية الإدارية، فالتنمية أولا والخدمة المدنية إدارة من إدارات وزارة الخدمة المدنية.

*نقلا عن صحيفة "عكاظ".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.