.
.
.
.

ما هي السعودية؟

عبدالله ناصر العتيبي

نشر في: آخر تحديث:

قبل شهر تقريباً، تلقيت دعوة كريمة من جمعية العلاقات الدولية، فرع الخليج، للحديث في أحد مؤتمراتها عن الهوية والصورة الذهنية للمنظمات، واخترت أن يكون عنوان ورقتي عن هوية المملكة العربية السعودية وصورتها الذهنية في الداخل والخارج.
وشرفت بأن كانت جلسة النقاش حول هذا الموضوع تالية مباشرة لكلمة الأمير تركي الفيصل بن عبدالعزيز سفير المملكة السابق بالولايات المتحدة الأميركية الذي ناقش في مداخلته المطولة دور العلاقات العامة والديبلوماسية الشعبية في تحسين صورة الدول في المخيال العالمي والمحافل الدولية، فكان حديثه بادئاً لحديثي ومؤسساً له بدون تخطيط مسبق لذلك.
سألت أولاً كيف ينظر المواطن السعودي إلى نفسه؟ وكيف ينظر العالم إليه؟ ما هي هويته؟ وما هي الصورة الذهنية المنطبعة في ذهنية الآخرين عنه؟ أو بصيغة أكثر شمولاً: ما هي السعودية؟ وما هي العوامل الرئيسة التي تسهم في خلق الصورة النهائية لها في داخلياً وخارجياً؟
المواطن السعودي «المتوسط» الذي هو بمثابة الجمهور الداخلي للسعودية، لا يجد محدداً واضحاً أو تعبيراً فصيحاً واحداً للشخصية السعودية! «الأنا السعودية» بالنسبة إليه مشوشة قليلاً، وغير واضحة المعالم، ويتجاوز في كل مرة عوارض هذه المشكلة الأزلية بمسكنات موقتة ومهدئات مرحلية تنسيه العارض، لكنها لا تقدر على إلغاء المشكلة برمتها، مسكنات ومهدئات على شاكلة الأغاني الوطنية والخطب الحماسية التي مازالت هي التعبير الأقرب اليوم للوطنية في السعودية والدول الخليجية والعربية التي تعاني من المشكلة نفسها!
أما الجمهور الخارجي للسعودية فيتكون من قسمين: جمهور عربي ومسلم من جهة، وجمهور غربي وشرقي من جهة ثانية، وصورة المملكة في ذهن هذه الجماهير لا تقل ارتباكاً وتشويشاً عن صورتها في ذهن الجمهور الداخلي، بل أنها تذهب من التشويش إلى التشويه في آحايين كثيرة. فبالنسبة للجمهور العربي والمسلم فهو يحمل صورتين متناقضتين عن السعوديين تبعاً للظروف. فحينما يرضى العربي أو المسلم عن السعوديين يصيرون شعباً مباركاً مقدساً وراعياً للحرمين الشريفين. أما حينما يغضب هذا الجمهور منهم، فإنهم يتحولون بشكل أوتوماتيكي إلى بدوٍ أجلاف، وصحراويين، وأعراب، ورعاء شاء، و«عربان». وهذه الكلمة الأخيرة تتكرر هذه الأيام كثيراً في الإعلام الساخط علينا لما يعرف بـ«دول الممانعة»!
وصورتنا الذهنية عند الجمهور الغربي هي ذات شقين أيضاً، ففي الماضي نحن مجموعة أثرياء بدائيين، لهم السيطرة على المناطق التي تحوي وقود العالم. وهنا تتشكل معادلة مزدوجة وثنائية معقدة أسهمت طوال العقود الماضية في أن تقوم علاقاتنا الدولية مع الغرب على توازنات متناقضة.
وفي الحاضر، ومع تنامي «الإسلاموفوبيا» في أوروبا وأميركا أضيفت صفة أخرى إلينا في الصورة الذهنية العالمية هي «الإرهاب». أصبحت هوية المملكة أخيراً في مرمى نيران الإعلام الغربي بشكل مباشر، ليس لأنها السعودية البلد المستقل، وإنما لأنها منبع الإسلام وحضنه الأول، وحينما يريد الغرب مهاجمة الإسلام ديناً، فإنه يذهب لمهاجمة البلد الذي يظن أنه يمثله. السعودية هنا ليست مستهدفة لذاتها، وإنما هي الغطاء الذي يسمح للغرب بمهاجمة الدين الإسلامي من غير أن يوجه له اللوم المباشر بمعاداة الأديان! ولصورة المملكة المشوشة والمشوهة داخلياً وخارجياً أسباباً عده سأختصرها فيما يأتي:
أولاً: غياب الفردانية في المجتمعات السعودية، فالسعودي الفرد الجامع للهوية والمستقل بها «الذي، وتحسب أنه جرم صغير، وفيه انطوى العالم الأكبر» مغيّب تماماً تحت ضغط الأسرة الكبيرة والحمولة والجماعة والعشيرة، وبالتالي فالهوية الوطنية اللاحقة غير موجودة بغياب مفرداتها الأساسية وتفاصيلها المركبة لها.
ثانياً: حرب البعض الشعواء على كل ما هو وطني بحجة تعارض الوطنية مع الأممية الإسلامية، مثل تحريم الاحتفال باليوم الوطني، والوقوف ضد إدخال مادة التربية الوطنية في التعليم العام، والمهاجمة المستمرة لغير ذلك من المحددات الوطنية.
ثالثاً: عدم إيمان السعودي بالحدود القُطْرية، فهويته أممية على الدوام. هو مشغول دائماً بما يحدث خارج أرضه ويظن أن عليه بصفته مسلماً أن يشارك في حل كل قضايا المسلمين العالقة في العالم. هذا التضارب غير المعالج بين مفهومي «المسلم في الأمة» و«المواطن في الدولة» جعل السعودي عالقاً في المنطقة الوسطى بين النظرية والتطبيق بلا هوية واضحة المعالم.
رابعاً: فشل المؤرخ السعودي في إبراز هويتنا الحضارية المتمثلة بالآثار والمرويات وحكايات آلاف السنين. بل أنه عمد في زمن قريب ماضٍ إلى تهميش آثار المملكة من أجل أن لا يتقاطع ذلك مع الحضور الإسلامي في الجزيرة العربية، لكن المشكلة أيضاً أن المعالم والآثار الإسلامية هُمشت هي كذلك بحجة محاربة التبرك والتقديس والتوسل بها لما دون الله.
خامساً: عدم تفاعل الهويات الفرعية السعودية في ما بينها كما يجب بسبب سيطرة الهوية المركزية على الهويات الفرعية بمساعدة الإعلام المركزي لعقود طويلة. تفاعل الهويات مع بعضها وتجاذبها وتنافرها بثقافاتها ومرجعياتها المختلفة ليس صانعاً لهوية وطنية شاملة وجامعة ومكتملة ومتماسكة فحسب، بل أنه يسهم في القضاء على التعصب والتطرف كون المرجعية الرئيسة للمجموعة ذات الألوان المختلفة هي «الاختلاف» وليست «التطابق» الذي يقتضي طلب التشابه بالقوة الجبرية (أنت تشبهني.. فلا بد إذاً من الاتفاق معي وإلاّ حاربتك)!
سادساً: قصر التاريخ السعودي على بداية الدولة السعودية الأولى وإلغاء ما قبله، وفي هذا اقتطاع لجزء كبير من هوية ساكن هذه البلاد. السعودي يمتد زمنه من اليوم ورجوعاً حتى آلاف السنين في هذه المنطقة، ومثلما أن بناة الأهرام هم مصريون على رغم تشكل الجمهورية المصرية عام ١٩٥٢، ومثلما أن «حمورابي» هو عراقي على رغم تأسيس الجمهورية العراقية عام ١٩٥٨، فإن قس بن ساعدة، وامرؤ القيس، وعمر بن الخطاب هم جزء من هذه الأرض، جزء من الهوية السعودية. ومدائن صالح وقلعة مارد هي أيضاً سعودية بحكم انسحاب الاسم الأخير لاسم الدولة على موجودات الأرض التاريخية من بشر وحجر.
سابعاً: عدم وجود منتجات وطنية تتفق عليها جميع الهويات الفرعية في المملكة وتقدمها للعالم منتجاً «صنع في السعودية». المنتخب السعودي لكرة القدم كان مثالاً جيداً لهذه المنتجات في فترة من الفترات حينما كان السعوديون بطوائفهم وأعراقهم كافة يلتفون حوله صانعين منه مفردة وتفصيلاً صغيراً لهوية وطنية جامعة. اليوم أين هي منتجاتنا التي نقدمها للعالم؟ أين موسيقانا؟ أين تراثنا؟ لقد فشلنا فشلاً ذريعاً في تسويق هذه المنتجات، يقول قائل! ويقول آخر أننا في الحقيقة لم نسوقها في الأصل وأهملناها حتى كادت تندثر! العالم يصدر لنا هويته على مدار الساعة بمنتجات مختلفة ونحن نقضي على منتجاتنا بدم بارد، حتى الأكل الذي يمثل مفردة هوية للشعوب كـ«البيتزا الإيطالي» و«البرغر الأمريكي» نقصيه دائماً في آخر قوائم الثقافة، وعندما ننتبه له نسجنه في الماضي (أريد جواباً للسؤال الآتي: لماذا المطاعم السعودية التي تقدم الأكل السعودي تكون عادة في بيوت طينية وأثرية؟)
ثامناً: نحن شعب غير اتصالي، فالسعودي متوجس وحذر على الدوام، وغير مبادر مع الآخر، ودائماً ما يظهر بمظهر المنعزل المترفع المتعجرف في عيون الآخرين. هو بالتأكيد ليس كذلك. ولكن طبيعته التي لا تتماهى بسهولة مع الأجنبي، أياً كان هذا الأجنبي، هي ما تجعل الآخرين يظنون هذا الظن فيه. السعودي همومه وتطلعاته أممية وهذه مشكلة، وفي الوقت نفسه هو غير اتصالي على المستوى الفردي وهذه مشكلة أخرى.
تاسعاً: من أسباب التشويش على الهوية السعودية وتشويهها الحرب الاتصالية ضد السعودية من خصومها الدوليين، جزءاً من الحروب الخارجية ضد السعودية، وهذا هو السبب الوحيد من الأسباب التسعة الذي لا يد لنا فيه. نحن بلد يقود في المنطقة وبالتالي لا بد من تعرضه لتيارات من المقاومة وبأجندات مختلفة، تسهم في بعض الأحيان في التشويش على صورته الذهنية عربياً وعالمياً.
في الأسبوع المقبل سأتناول ما أظنها حلولاً لهذه المشكلة بشيء من الشرح والتفصيل.

*نقلا عن صحيفة "الحياة".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.