.
.
.
.

جهّل تسد

عبد الله بن بخيت

نشر في: آخر تحديث:

من المؤسف أن يغيب الحجاج الإيرانيون عن الحج. ومن المؤسف أكثر أن شهد عصرنا اليوم الذي يزج فيه بالدين الإسلامي في السياسة. ما الذي يمكن أن يكونه العالم بلا ملالي ايران؟

الثورة الإيرانية غيرت خط الحياة في العالم الإسلامي. قدمت نموذجا تطبيقيا لشعارات وهمية حالمة. لم تعرف ايران الخلط بين السياسة والدين إلا على يد الخميني. حتى في عصر الصفويين لم تكن ايران دولة دينية. استورد الصفويون رجال دين شيعة لتبديل مذهب البلاد ثم وظفوا المذهب لتحقيق المكاسب. قام التاريخ الإسلامي على احترام متبادل بين رجل الدين وبين السياسي. كل في نطاق عمله. لم يشهد التاريخ البشري أن اختلط الدين بالسياسة سوى في عصرين، عصر الظلام الأوروبي، والعصر الذي ظهر فيه الاخوان في مصر ثم الخميني في ايران.

شكل الاخوان في مصر جبهة سياسة معارضة نشطة على مدى سنين طوروا اثناءها خطابا دينيا سياسيا تبناه عدد من المنظمات الإسلامية بل إن بعض علماء الدين الصادقين الجادين بلعوا الطعم. أصبح هذا الخطاب مصدر إلهام لكل الشعارات الثورية المندسة تحت الدين. كل من يجد في نفسه الرغبة في التعبير السياسي ويخشى السلطة التي يقع تحت طائلتها يستخدم هذا الخطاب. استفاد الاخوان من صداماتهم مع السلطات المصرية في اختلاق مفهوم الضحية الجهادي. الإنسان الذي يعذب ويقتل في سبيل إعلاء كلمة الله. فقد كان محظوظا. لم يكن في حاجة إلى اختلاق مظلومية من الصفر.

التراث الشيعي يزخر بكل ما يحتاجه وأكثر. نجاح ثورة الخميني وتكالب رجال الدين على السلطة في ايران جعل من الشعارات الزائفة التي اطلقها الاخوان في الأوساط السياسية شعارات عمل تنفيذية.

محاولات ايران تحويل الحج إلى تظاهرة سياسية ليست جديدة. بدأت مع السنوات الأولى من الثورة. تعاملت معها المملكة بالحزم المرشد وحجمتها في أكثر من مرحلة. قدمت المملكة للإيرانيين درسا للتمييز بين الدين والسياسة، لكن رجل الدين لا يمكن أن يكف عن كونه رجل دين.

الخلط بين الواقع والخيال بشكل مريع. الاستثمار الأمثل لعاطفة الاتباع الدينية والأهم الاستهانة بأرواح البشر. اعداؤه سيذهبون إلى جنهم واتباعه إلى الجنة. ما الذي يجبر المؤمنين إذاً على البقاء أحياء في هذه الدنيا الفانية. يتوجب عليهم أن يضحوا بأنفسهم من أجله. سيتأخر قليلا ولكنه سيحلق بهم بعد أن يتدبر أمور استثماراته وذريته من زوجاته الصغيرات.

تمنحنا ايران دروسا عظيمة علينا استيعابها وتدبرها. مقدرات الشعب تذهب من اجل أطماع امبريالية دينية لا طائل من ورائها. فرض المذهب. تكريس العداء، زيادة جرعات الخرافة، توسيع دائرة الاضطراب في بلاد الآخرين.

دخلت ايران في صراع مع الغرب والشرق، كلما انتهت من صراع دخلت في صراع جديد. لم تنتصر في أي معركة دخلتها. هذا ليس لأن ملالي ايران سيئون. اقرأ تاريخ أوروبا العصور الوسطى. لا علاقة ببابوات أوروبا بالخميني. لكن الذهنية هي نفسها. تجهيل الناس ثم التلاعب بعواطفهم والاستهتار بالحياة أمام قاعدة ثابتة: الحرب على الآخرين لا تتوقف أبدا.

فلسفة رجل الدين السياسية الاجتماعية ثابتة على مر العصور واختلاف الأديان. (جهّل تسد)

* نقلا عن "المدينة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.