.
.
.
.

مجلس شورى وليس استراحة متقاعدين

فيصل العساف

نشر في: آخر تحديث:

يخلط البعض عند الحديث عن مجلس الشورى، فلا يفرق بينه وبين المجالس الشعبية التي انتخب الشعب نوابهم فيها، وللتصحيح فإن مجلس الشورى ليس إلا جهة استشارية للحاكم، له اختصاصاته المحصورة في إبداء الرأي في السياسات العامة التي «تحال إليه» من رئيس مجلس الوزراء، ولذلك تفريعاته التي لا يتسع المجال لذكرها. كذلك فإن للمجلس صلاحيات نصّت عليها المادة الثالثة والعشرون من نظامه: «لمجلس الشورى اقتراح مشروع نظام جديد، أو اقتراح تعديل نظام نافذ، ودراسة ذلك في المجلس، وعلى رئيس مجلس الشورى رفع ما يقرره المجلس للملك». هذه المادة تحديداً، هي التي يطل من نافذتها أعضاء يذكِّرون المجتمع بوجودهم بين الفينة والأخرى، صحيح أن للمجلس إسهامات من خلال اقتراح بعض المضامين التي تصب في صالح المواطن، لكن علاقته به في الغالب تأخذ منحى استفزازياً، عندما يتحدث تحت قبته «مواطنون ليسوا من كوكب آخر» لكنهم ملكيون أكثر من الملك! إن مما يفتقده مثل أولئك الأعضاء، هو ذلك الإحساس بالمسؤولية الذي يمسك ملك البلاد بخطامه جيداً، فتلك العلاقة بين الحاكم والمحكوم في السعودية التي يخطئ البعض في التصويب نحوها في كثير من الأحيان، لا تزال علاقة احتضان، يبقى الملك فيها أباً للجميع، والراعي والموجّه، ويشكل فيها المواطن بكل أطيافه دور الابن في مجتمع عشائري مهما بلغ منه التطور، في مشهد أسري من دون مبالغة في الوصف. أشعر كمواطن بخيبة أمل المسؤول من بعض المطالب الشوروية، فلم يكن الملك - على سبيل المثال - ليصرّح يوماً بعدم دستورية أو عدم مسؤولية الدولة عن توفير السكن للمواطن، وهو الذي يسعى بكل ما أوتي من قوة إلى تحقيق حلمه به.

في الحقيقة، يسود لدى كثيرين في السعودية ذلك التصور بأن المجلس في «غالبية أعضائه» ليس إلا منحة أو مكافأة لمن انتهت خدمتهم ولم يتبق في أفكارهم متسع من أجل أن يبذلوه، ولعل مما يبعث الأمان أن الأمر مرده إلى حكمة المسؤول الأول ونافذ بصيرته، إذ لا مجال أمام تخبطات بعض المعيّنين طالما رأيه هو الفيصل في النهاية. وما دمنا على أعتاب التحوّل الكبير إلى طموح 2030 المنشود، فإن مجلس الشورى بحاجة إلى غربلة كاملة لا تقل بأي حال عما تشهده الدولة من تغيرات هائلة ومتسارعة تسابق الزمن نحو مجتمع تسود فيه روح البذل في سبيل تحقيق الذات، ووطن تُحقق فيه تكاملية الأداء طموحات المستقبل المرجوة، بعيداً كل البعد عن الاتكالية التي تسببت بها طفرات اقتصادية أفرزت في بعض مناحيها بطراً مصطنعاً، أدت إلى نعمة خادعة تغلف كثيراً من عدم الرضى. إن القفزات المتلاحقة التي شهدتها السعودية، وأخصُّ منها ما أجد أنه يأتي في مقدمتها، وهو الاستثمار الأكبر في شباب الوطن من خلال مشروع الابتعاث الجبار، لهي من أهم الفرص التي ينبغي التنبه إلى عدم تفويتها بالاعتماد على خبرات أقل ما يقال عنها إنها قد استُنفدت، لذلك فإن فتح الأبواب على مصراعيها أمام طاقات الشباب المتقدة التي تسلّحت بالعلم هي أحوج ما نكون إليه في هذا التوقيت.

في حين كانت الدولة تنفق ملايين الريالات في عقودها مع المكاتب العالمية الاستشارية في طريق بنائها تاريخ المستقبل، كان مجلس الشورى يضيع وقته في الاستماع إلى بعض طلبات أعضائه، من قبيل السماح للمرأة بقيادة الدراجة الهوائية، أو تكريم أعضائه الموقرين بتسمية الشوارع بأسمائهم! وإن كان من الإجحاف إنكار الجهود المميزة لأخيار في المجلس كانت تبذل في سبيل تنمية الوطن والمواطن، فإنه من الظلم بمكان ألا تتم الاستفادة القصوى منه بالشكل الذي يوازي التطلعات التي أنشئ من أجلها.

أخيراً، يصح القول بأن مجلس شورى منتخب «يرتز» فيه من لا يزال الغالبية في المجتمع يتغذى على رجعيتهم وتخلفهم عن مزاحمة الأمم في سباق التقدم والرقي ليس هو المطمع، وإنما قبة تضم في جنباتها جودة وطنية تستشعر التكليف بدلاً عن التشريف، وتقدم في سبيل الوطن ما يوازي حجم المسؤولية الملقاة على عاتقها بكل إخلاص، لا تغيب عنها سياسة الدولة التي أعلنت عنها أخيراً، المبنية على الشفافية والمحاسبة، مع عدم الإخلال بمبدأ المشاركة في المسؤولية، من خلال تفعيل التواصل الجاد بين المجلس والجهات الرقابية بما فيها وسائل الإعلام في الشكل والمضمون الذي يحقق الأهداف ويخدم الصالح العام.

* نقلا عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.