.
.
.
.

شيوخ 11 سبتمبر!

رائد فهد العسكر

نشر في: آخر تحديث:

يقول الشاعر:

اصبر على كيد الحسود فإن صبرك قاتله

فالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله

أبرزت معظم الصحف العالمية والإقليمية تصويت مجلس الشيوخ بمطالبة الدول والحكومات التي لها اتهام مباشر في أحداث الـ11 من أيلول (سبتمبر) 2001 بدفع تعويضات مالية لأسر الضحايا على حد تعبيرهم. والمضحك في رأيي ليس عناوين الصحف وناقلي الخبر الذين يهدفون بطريقة أو بأخرى لتعبئة الصفحات بالأخبار الجذابة والمثيرة، ولكن المضحك انجرار قطيع من الكتاب المحسوبين على الصحافة العربية بالتهكم والفرحة لهذا الخبر، وكأن هذا القرار هو قرار تحرير فلسطين وأن القدس العربي عاد لحضنه العربي.

تتألف المؤسسة الدستورية في الكونغرس الأميركي من مجلسين هما مجلس الشيوخ والنواب، ويملك الكونغرس سلطة إشراف ورقابة على المصالح العامة. فهو يقرر إحداثها ويحدد امتيازاتها وسيرها ويراقب إدارتها المالية. كما أنه يمارس نوعاً من السلطة القضائية ويملك مجلس الشيوخ من دون مجلس النواب صلاحيات مهمة في شؤون التعيين والسياسة الخارجية. ويترتب على رئيس الجمهورية أن يحصل على موافقة هذا المجلس عند تعيين الوزراء والسفراء والقناصل وكبار الموظفين الاتحاديين وأعضاء المحكمة العليا. ويعقد مجلس الشيوخ بأغلبية ثلثي الأعضاء الحاضرين، ومن الحوادث المأثورة رفض مجلس الشيوخ تصديق معاهدة فرساي بعد الحرب العالمية الأولى، ما أدى إلى بقاء الولايات المتحدة الأميركية خارج عصبة الأمم التي كان الرئيس الأميركي ولسن أحد بنائها.

ويقوم الدستور الأميركي على فصل السلطات، فلا الكونغرس يملك حمل الرئيس على الاستقالة ولا الرئيس يملك حل الكونغرس، ولكن هذا الفصل ليس تاماً، فهو فصل نسبي، إذ يملك كل من الرئيس والمجلس وسائل متبادلة التأثير، ولا شك في أن من أهم وسائل الكونغرس إضافة إلى رسم السياسة الخارجية للولايات المتحدة والسلطات المالية المخولة إليه، فهو الذي يملك إقرار اعتماد الموازنة، الأمر الذي يمكنه بالتالي من ممارسة ضغط مباشر على الرئيس والإدارة العامة في البلاد.

وبالعودة لأحداث 11 سبتمبر أقر مجلس الشيوخ الأمريكي مشروع قانون يسمح لعائلات ضحايا هجمات 11 سبتمبر بمقاضاة الحكومات التي يزعم مجلس الشيوخ أنها متورطة، حتى بعد تصريح الرئيس الأميركي باراك أوباما بأنه سيستخدم حق النقض (الفيتو) ضد مشروع القانون. وقال المتحدث باسم البيت الأبيض جوش إيرنست: «إن هذا التشريع سيغير قانوناً دولياً قائماً منذ أمد بعيد في ما يتعلق بالحصانة السيادية». وأضاف: «لا يزال رئيس الولايات المتحدة يشعر بمخاوف جدية من أن هذا التشريع من شأنه أن يجعل الولايات المتحدة عرضة للخطر في نظام المحاكم الأخرى في مختلف أنحاء العالم».

لك أن تتخيل كم من الأفراد من كل الدول التي تضررت من حروب قادتها أميركا رسمياً سيتقدمون بطلب تعويضات لقتلاهم؟ ومن أين نبدأ؟ أمن اليابان حيث قنبلة هيروشيما وناجازاكي، أم فيتنام، أم العراق، أم الصومال؟

إن من السخرية وقلة الوعي أن تجرم دول وحكومات على تصرفات أفراد خارجين على القانون، وإذا ما أخذنا ذلك في الحكم على الدول من تصرفات أفرادها فكل أفراد دول أوروبا وأميركا وأستراليا المشاركين مع داعش تتحمل الحكومات مسؤوليات القتلى في تلك الدول ودفع تعويضات لأسر القتلى.

إذاً لماذا يمرر مجلس الشيوخ ذاك القانون في ذلك الوقت؟ لعل المتمعن لسياسة أميركا بنظرة استراتيجية شاملة يجد أنها تبرز أحيانا مشكلاتها الداخلية التي تحمل صبغة دولية لأغراض سياسية، بهدف تقوية العلاقات مع دول معينة أو بداية قطع تلك العلاقات معها هذا من جهة، ومن جهة أخرى إرسال رسائل مبطنة ومعلنة إلى مواقع أخرى في العالم على مبدأ فرق تسد، وهذا المبدأ هو مصطلح سياسي عسكري اقتصادي تستخدمه الولايات المتحدة ببراعة، ويعني تفريق قوة الخصم الكبيرة إلى أقسام متفرقة لتصبح أقل قوة وهي غير متحدة مع بعضها البعض، ما يسهل التعامل معها. وسياسة فرق تسد ليست سياسة جديدة، بل هي قديمة قدم السياسة نفسها، إذ طبقها السومريون والمصريون واليونانيون القدماء لتفكيك قوى أعدائهم وتحييد هذه القوى من خلال توجيهها داخلياً واحدة ضد الأخرى. ومن المعلوم أنه قبل كل عملية لاحتلال أو تقسيم منطقة، لا بد من إنهاك القوى العسكرية والاقتصادية لتلك الدول لغرض تسهيل العملية وتقليص تكاليفها. وهذا يتم عادة من خلال إثارة الفتنة الطائفية والتحريض على العنصرية ونشر روح الانتقام بين الطوائف والطبقات المكونة لهذا الشعب، وإشعال حروب داخلية وخارجية تنتهي بإنهاك قوى الأطراف كافة.

لذا نحن أمام مسؤولية كبيرة وجدية للالتفاف والاتحاد مع قياداتنا وحكوماتنا وتفويت أي فرصة والرد بحزم وعزم.

ومن كل ما سبق يتبين أن الولايات المتحدة تتعامل بأنانية مفرطة مع كل العالم باختلاف المصالح والاعتبارات.

يقول آرثر شوبنهاور: «إن الأنانية تثير قدراً من الرعب، بحيث أننا اخترعنا السياسة لإخفائها، ولكنها تخترق كل النقب، وتفضح نفسها لدى كل مصادف».

* نقلا عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.