.
.
.
.

لماذا يقتلُ المتطرفون؟

عبد الله الوصالي

نشر في: آخر تحديث:

حين يقتل أحد دواعش الرقة أمه على الملأ لأنها ليست (نقية) الإيمان، ويذبح رجلا من قبائل التوتسي في رواندا بالمنجل زوجته لأنها من الهوتو، ويشي الصربي الكاثوليكي بجاره إلى السلطات الصربية كي تأخذه إلى مقبرة جماعية لأنه مسلم، ويحرق متعصبون يهود فتى فلسطينيا حيا، وتقوم كيانات عرقية أو دينية أو مذهبية بتصفيات لمكونات أخرى، فمن الخطأ أن نعتقد أن تلك الممارسات أمر اعتباطي، أو أنه سلوك نزقي بدائي، فهو في الحقيقة وليد تغير نفسي بطيء ومتدرج يمر المتطرف القاتل خلاله بمراحل تهيئة نفسية من قبل منابر عدة باختلاف أنواعها تقضي في النهاية على عواطف الحب والمشاركة بين المتطرف وضحيته كي يكون قادرا على القيام بمهمة تصفية الآخر.

وحسب تحليل (علم الظواهر) لظاهرة العنف نرى أن أبرز مراحل التغير النفسي للمتطرف تكمن فيما يلي:

1- تعمل المنابر المحرضة بشتى أنواعها، أولا، على الدفع نحو التقوقع على الذات وعلى الجماعة المرجعية بفك الارتباط العاطفي بالآخر، وهدم روابط المواطنة، والشراكة في المصير، والروابط التي تدفع إلى احترام حياة الآخر وحمايتها.

2- ثم تعمل على تضخيم تلك الذات الجمعية وتقزيم صورة الضحية، وتجريدها من أي قيم أو مشاعر وإسنادها إلى الذات. تسمع في هذه المرحلة (نحن) متبوعة بالتبجيل و(هم) متبوعة بالتبخيس، فينعدم الإحساس بالآخر كليا ما يؤدي إلى القبول النفسي بأي ضرر قد يلحق به.

3- تتحقق الغربة بين المتطرف وضحيته المقبلة ويتهيأ لنزع الإنسانية من الضحية.

4- تملأ مشاعر الحقد والبغض محل مشاعر الحب والمشاركة التي تم إلغاؤها سابقا فينفتح باب احتمال العنف على مصراعيه، لكنه ينتظر إعطاءه الشرعية.

5- شرعنة العنف تتم بإيهام المتطرف بأنه مغبون، وتضخيم ما لحق به من ظلم أو حيف من قبل الآخر، فعليه الدفاع عن نفسه التي امتهنت، وارجاع حقوقه المغتصبة.

6 - و لكي تستمر قوة دفع العنف الممثلة في الشرعنة، ولإبقاء الضحية في منطقة انعدام القيمة، يختلق الذهن المحرض باستمرار أساطير يشيطن فيها الآخر فينمحي وجوده كإنسان تماما.

تصل عملية التحقير هذه الى حد بعيد فتحمل الضحية كل الأوزار والرذائل، يعبر عنها أولا بالشتائم، ثم بالنعوت والتصنيفات، وربما عممت الضحية كخطر على العالم بأسره يجب القضاء عليه، حينها يمكن أن يُنفِذ المتطرف تصفية الآخر دون أن يرف له جفن فهو بذلك يرتكب مهمة نبيلة.

ينطبق ما سبق على المجتمعات كما الأفراد، ويفسر الكثير من أحداث التطهير العرقي والطائفي منذ بداية التاريخ، وما نراه الآن من تهتك النسيج الاجتماعي وتعايش دام عشرات السنين في بعض دول المنطقة التي تشهد حروبا أهلية، وانفجارا للعنف المتطرف الأعمى.

ربما لو أصغى العربي، في المجتمعات التي مازالت تتمتع بـ (استقرار) حتى الآن، بانتباه لما حوله، لاستطاع أن يدرك في أي مرحلة من مراحل انضاج التطرف ما يمر به مجتمعه.

* نقلا عن "اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.