.
.
.
.

العلاقات السعودية - الأميركية.. المبادئ والمصالح

عبد الله موسى الطاير

نشر في: آخر تحديث:

قبل تلك الليلة بسبعة أشهر خرج المُضيف بإعلان ربما كان مفاجئا بيد أنه بدون شك مبني على قاعدة فلسفية واستراتيجية صلبة، عدة كلمات في جملة واحدة "الدفاع عن العربية السعودية هو دفاع عن الولايات المتحدة الأميركية".

يجلس الضيف وفي مخيلته فرضيات مضطربة؛ فما عسى فخامة الرئيس الأميركي قائلا على مائدة العشاء بعد ذلك الإعلان الذي أوجز أهمية الدولة السعودية للولايات المتحدة الأميركية؟

ولم يطل به الانتظار حتى بدأ الرئيس يلقي كلمة ترحيبية بسموه، قال في مطلعها بعد الترحيب "هناك عدد قليل جدا من الأميركيين في الجزيرة العربية، وهناك عدد قليل جدا من عرب الجزيرة في أميركا. وبالتالي فإن معرفة بعضنا لبعض بشكل أكبر في قادم الأيام، لن يؤدي فقط إلى صداقة دبلوماسية، ولكنه سوف يصل بنا إلى صداقة شخصية".

كل ذلك والأمير الشاب منصت لهذا الكرم في المشاعر، ليزيد المضيف "لدينا الكثير من القواسم المشتركة، فكلانا يحب الحرية، كلتا الدولتين. وليس هناك من سبب يحول بين أميركا والسعودية وبين الحفاظ على الحرية.. وهناك الكثير لنتعلمه من بعضنا البعض. ولذلك آمل أن نكون قادرين في الأيام القادمة على مناقشة علاقاتنا ومصالحنا كأصدقاء".

استعرض الرئيس بعض معلوماته عن المملكة العربية السعودية، مرسلا رسائل تطمين إلى الأمير السعودي ومن خلاله إلى والده، ملامسا قلقا كبيرا عند الملك من هيمنة الدول العظمى على الدول الناشئة والصغيرة فهو مازال يعيش بعض مراحل الاحتلال البريطاني والفرنسي لعدد من الدول العربية ولا يريد لدولته الناشئة أن تقع فريسة أو تحت وصاية أية دولة عظمى بما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية. استطرد الرئيس الأميركي "السعودية هي أرض الموارد الطبيعية الضخمة السطحية أو تلك الموجودة تحت سطح الأرض.

وأريد أن أؤكد لكم صاحب السمو الملكي أن الولايات المتحدة ليست الأمة التي تسعى إلى استغلال أي أمة أخرى، بغض النظر عن حجمها".

هذه المقدمة التي تمزج بين المشاعر الدافئة في أواخر أيام الصيف وبين الرؤية البعيدة لمستقبل العلاقات الأميركية - السعودية كانت مدفوعة بما تواتر لدى الرئيس من معلومات عن الملك الوالد ولذلك فقد أسهب الرئيس روزفلت في استعراض معلوماته أمام الحضور وواصل كلمته "أعتقد أننا جميعا نعرف أن الملك (عبدالعزيز) هو شخص رائع جدا. كنت أقرأ بعد ظهر هذا اليوم مطبوعة مقتضبة، وكان كل شيء فيها عن الملك عبدالعزيز. وكانت هناك فقرة صغيرة واحدة في نهاية المادة أعجبتني كثيرا لأنها تنسجم مع فلسفتي الخاصة.. إن ما يميز ابن سعود هو إيمانه بأن الصواب هو الذي ينتصر في نهاية المطاف (ما يصح إلا الصحيح)، وهو مؤمن أن الله الذي اغدق المطر على الجزيرة العربية في العصور القديمة هو الذي وهب بلاده النفط.. ابن سعود لا يتطلع فقط إلى نجاح بلاده وتقدمها وإنما يأمل في الخير والازدهار لبقية دول العالم.. وفلسفته هذه (في حب الخير لنفسه وللآخرين) ليست فلسفة عربية فحسب وإنما أميركية أيضا.. ولذلك فإن العمل معا سيمكننا من الإسهام بجهدنا نحو عالم أكثر إشراقا، وعالم أكثر صدقا، في السنوات القادمة".

الأمير فيصل بن عبدالعزيز، وزير الخارجية السعودي، (رحمه الله) الذي يزور آنذاك أميركا - وهو في السابعة والثلاثين من عمره- نيابة عن والده استذكر هذه المناسبة وتلك الكلمات بعد عشرين عاما وهو يستقبل السفير الأميركي عام 1963م، وحينها أفصح للسفير الأميركي أن تلك المناسبة تركت في نفسه شخصيا وفي سياسات المملكة وعلاقتها مع أميركا أثرا بالغا تحول إلى علاقات ثقة متبادلة وصداقة دبلوماسية وشخصية بين البلدين.

الأميركيون يعرفون أكثر من غيرهم بأن الصداقة لا تعني التخلي عن الثوابت، ولذلك فقد اصطف الملك فيصل إلى جانب العرب في حرب رمضان عام 1973م، ولكنه بعد أن أسهم في تحقيق النصر استقبل الأميركيين ورمم معهم العلاقة وأعطيت دفعة جديدة لعقود قادمة.

زيارة الملك فيصل لأميركا في سبتمبر 1943م، ثم لقاء الملك عبدالعزيز بالرئيس روزفلت عام 1945م، شكلت حدثين مهمين في تاريخ علاقة متينة تجاوزت السبعين عاما. هذه العلاقة أصيبت في مقتل مع مطلع القرن الحادي والعشرين، فكان لقاء الملك عبدالله والرئيس بوش الابن في أبريل عام 2005م والذي أسفر عن بيان مشترك أكد فيه الأميركيون مكانة المملكة وخصوصيتها باعتبارها مهد الإسلام وبلد المقدسات الإسلامية وأن أميركا لن تتدخل في الشأن السعودي، هذه القمة كانت أيضا حدثا تاريخيا مهما تطلعت من خلاله الدولتان إلى ستين عاما قادمة من العلاقات الوثيقة والاحترام المتبادل.

زيارة سمو الأمير محمد بن سلمان الحالية لأميركا لا تقل أهمية وحساسية عن زيارة الملك فيصل، أو زيارة الملك عبدالله لأميركا، فهي تأتي في وقت حرج ليس للدولتين وإنما للعالم. فالأمير الذي يحمل بيده اليمنى ملف التحديث والرؤية السعودية والطموح والتطلع للمستقبل، يحمل بيده اليسرى وضعا إقليميا مأساويا يتطلب تعاون البلدين في السيطرة عليه وإعادة توجيه المنطقة نحو الاستقرار والنماء. إنه ببساطة يذكر الأميركيين بوعودهم في تحقيق الخير ليس للبلدين فحسب وإنما للعالم أيضا.

الرئيس روزفلت كان ديمقراطيا، والرئيس بوش جمهوريا، والرئيس أوباما ديمقراطيا فهل التاريخ يضع مرة أخرى مستقبل المنطقة بين يدي الديمقراطيين وهل يستطيع الرئيس أوباما أن يكرر سلفه روزفلت؟ وهل استدعاء الماضي يمكن أن يسهم في تجاوز العلاقات السعودية - الأميركية حالة الفتور والتردد الذي تعيشه، أم أن شروط الحاضر وتعقيداته تتطلب أكثر من التاريخ والمبادئ لتسمح بتحول إيجابي سريع في العلاقات؟

أعتقد أن زيارة الأمير محمد بن سلمان لأميركا قد جمعت الماضي بما فيه من ثوابت، وقدمت مبادرات ذات أبعاد مصلحية تهم البلدين، وبذلك فإن إعادة ربط المصالح بشكل أقوى بعيدا عن النفط - الذي لم يعد يعني الكثير للأميركيين- هو مفتاح مستقبل العلاقات السعودية - الأميركية.

*نقلا عن صحيفة "الرياض".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.