.
.
.
.

المرور.. بين المجزرة وعقب السيجارة

حمود أبو طالب

نشر في: آخر تحديث:

الحديث عن مرورنا الحاضر اسما والغائب فعلا حديث مستمر لا ينقطع، لكن جرعته زادت مؤخرا في وسائل إعلامنا من خلال مقالات الصحف وتقاريرها وأخبارها وأيضا البرامج واللقاءات والحوارات التلفزيونية التي تتحدث جميعها عن الوضع الكارثي الذي نعانيه من حوادث السير والمشاكل المرورية المختلفة التي تعطل الحياة وتجعل من شوارعنا وطرقنا جحيما لا يطاق. ومع هذا الضخ الإعلامي الكثيف ما زالت إدارة المرور محتجبة ومتوارية خلف حاجز الصمت، وليتها اكتفت بالصمت وإنما بدأت تفاجئنا بقرارات يمكن تصنيفها ضمن المضحكات المبكيات، على شاكلة فرض غرامة على إلقاء عقب السجارة في الشارع أو البصق عليه، وكأن شوارعنا تغسل بالماء والصابون يوميا ويخشى المرور على نظافتها من بصقة أو عقب سجارة، بينما هي تعج بكرنفال الفوضى القاتلة والقذارة الشديدة على مدار الساعة.

نعرف أن تخطيط شوارعنا وطرقنا لا يخلو من الرداءة، وصيانتها سيئة، وكثير من سائقي السيارات لا يفقهون مبادئها، والثقافة المرورية ضعيفة، ولكن كل ذلك لا يبرر الوضع المأساوي للحوادث المرورية القاتلة التي تزداد باستمرار، بل إن هذه السلبيات هي ما يجب أن تجعل المرور أكثر حضورا بأفراده وأنظمته الصارمة لتعويض الخلل في الجوانب الأخرى وفرض الانضباط والقيادة الآمنة. ولست أدري هل اطلعت إدارة المرور على التصريح الأخير لمتحدث وزارة النقل الذي أشار فيه الى حدوث 500 ألف حادث مروري سنويا ينتج عنها 8 آلاف قتيل و 30 ألف مصاب، وهل علمت أن معدل عمر الوفيات ما بين 18 الى 30 سنة، أي القوة الشبابية المنتجة في الوطن، وهل نما إلى علمها أن مصابي الحوادث المرورية يشغلون 50 % تقريبا من أسرة العناية المركزة في المستشفيات.

قد تقول إدارة المرور إن المشكلة معقدة وذات أطراف متعددة، هذا صحيح لكنه لا يعفيها من تحمل المسؤولية بشكل أساسي، ولا يمكن لأحد أن يقتنع بوجود معجزة في وضع إستراتيجية مرورية وأنظمة فاعلة وتطبيق صارم للتخفيف من حدة وبشاعة هذا الوضع المأساوي الذي يحصد الأرواح بشكل يفوق ضحايا الحروب الكبرى. ما يحدث لدينا لا يحدث في أشد الدول همجية وتسيبا وغيابا للأنظمة التي تمنع المجازر المرورية العبثية، وعندما يكون لدينا جهاز للمرور فيه عدد كبير من الكوادر المتعلمة المتخصصة والمطلعة على الأنظمة المرورية في مختلف دول العالم، وعندما تدعم الدولة هذا الجهاز بميزانية ضخمة، فإنه لا يمكن لأحد أن يستوعب عجزه عن إيجاد حلول للحالة المرورية المتردية التي أصبحت تمثل السبب الأول في خسارة الوطن لشبابه وطاقته المنتجة. فمتى، متى تستيقظ يا مرورنا.

نقلاً عن عكاظ

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.