.
.
.
.

الإرهاب .. التأسيس بالقول والتسويغ بالصمت

حمود أبو طالب

نشر في: آخر تحديث:

يقال «أنت لست فقط محاسباً على ما تقول، ولكنك أيضاً محاسب على ما لم تقل حين كان لا بد أن تقوله». لو استحضرنا هذه المقولة في قضية الفكر المتطرف الذي أفضى إلى فكر التكفير وما نتج عنه من إرهاب مسلح استهدف شرعية الوطن وسلم المجتمع، وصولا إلى الحوادث البشعة بتصفية الآباء والأمهات والأقارب تنفيذا لفتاوى ووصايا منظري هذا الفكر الذين يطالبون أتباعهم بالبراءة من الأقربين وتنفيذ حكمهم عليهم كأفضلية قبل النفير إلى الجهاد، لو أسقطنا هذه المقولة على واقعنا لوجدنا أننا إزاء مشكلة كبيرة وخطيرة، ومستمرة أيضا.
الذين كانت أقوالهم سببا مباشرا في وصولنا إلى هذا الحال المؤلم بتدشينهم وتبنيهم لفكر الغلو والتطرف والتشدد والفرز والتصنيف والتكفير وتسويغ الإرهاب والقتل بصيغ مباشرة أو غير مباشرة، ظلوا دون حساب وردع يتناسب مع فداحة ما فعلوه، واستمروا يزرعون الألغام في مصادر التلقي للشباب، تعليميا ودعويا وإعلاميا، ويمارسون استراتيجية المناورة بالهجوم والتراجع، الظهور والتواري، الحشد والتنصل، ومع الوقت أصبحت أقطاب هذا الفكر وأهدافه معروفة وواضحة ومكشوفة، إلا أنهم كانوا وما زالوا يسرحون ويمرحون ويعبثون بخبث ومكر بعقول الشباب، ويدافعون عن أنفسهم بشكل يستخف بالعقول ويستفزها. هنا نحن نتحدث عن المحاسبة على القول التي لم يكن لها وجود عملي فعلي إلى الآن.
وأما المحاسبة على ما لم يقل حين كان واجباً قوله فهي أكثر غيابا، وربما أسوأ تأثيرا، لأن الصمت والمواربة والغمغمة تعني بشكل غير مباشر التسويغ لما يحدث والرضا عنه، علماً بأن البعض قد جاهر بعدم تجريم أفعال التنظيمات الإرهابية كداعش ووصفهم بالإخوان الذين بغوا علينا لا أكثر. وعندما تكون القضية في أساسها أفكارا دينية شاذة فإن المفروض أن يتصدى لها رموز الدعاة والمشتغلين في الفكر الديني بشكل رئيسي قبل غيرهم، ويجهروا بتجريم النتائج التي أدت إليها تلك الأفكار الفاسدة، لكننا نلاحظ صمتاً مستمراً لهذا الفريق حيال الكوارث التي يرتكبها التكفيريون الإرهابيون، ومنها مسلسل الاغتيالات البشعة لرجال الأمن والأبوين والأقارب. وكما أننا لم نحاسبهم على أقوالهم المؤسسة لهذا الواقع البشع، فإننا لم نحاسبهم على ما كان واجبا عليهم قوله ولم يقولوه. وهنا ربما يرد علينا أي أحد ببساطة شديدة قائلا كيف تريدون أن ينهي المأساة من بدأها، حسناً هذا صحيح ولكن الصمت جرم آخر يضاف إلى جرم القول فيما مضى ليصبح الذنب مركباً ويستوجب عقاباً مضاعفاً. ليس هذا فحسب وإنما حين بدأ نفر من الكتاب بتعرية المواقف الفاضحة والملتبسة والمشبوهة لذلك الفريق بدأت الحملات المنظمة القبيحة للتشكيك فيهم ووصمهم بما ليس فيهم من مثالب ونقائص، فقط لأنهم حريصون على الوطن والمجتمع من الضرر الذي يأتيه من داخله.
لم يعد التردد ولا الصمت عن أرباب فكر الخراب والدمار مستساغاً بعد أن أوصلونا إلى هذا الواقع المأساوي الصادم، ولا بد من محاسبة من قال سابقا وأوصلنا بقوله إلى ما نحن فيه، ومن كان يجب أن يقول عندما وقعت الكوارث لكنه صمت.

*نقلا عن صحيفة "عكاظ".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.