.
.
.
.

لماذا لا نؤمن بالاختلاف؟

فاضل العماني

نشر في: آخر تحديث:

تُفاخر المجتمعات والشعوب والأمم، شرقاً وغرباً، قديماً وحديثاً، بما تملكه من تنوع وتعدد وتمايز على كافة الصعد والمستويات، بل وبما تتمتع به من مظاهر الاختلاف التي تتمظهر في الكثير من تفاصيلها لتُشكل "فسيفساء" جميلة مزخرفة بكل الألوان والأشكال والأطياف.

التنوع، بكل ما يحمله من صور ومضامين وقناعات، سواء كان ثقافياً أو اجتماعياً أو عقدياً، يُعتبر ثراءً وتميزاً وتكاملاً، توظفه المجتمعات والأمم لبناء نهضتها وتنميتها وحضارتها، بعيداً عن كل مظاهر التشنج والتأزم والتصادم، لأنها أيقنت بعد سلسلة طويلة من التجارب والخبرات والويلات، بأن ملامح الاختلاف في اللغة والثقافة والمعتقد واللون والقومية والعرق وغيرها، أشبه بوقود حيوي وضروري يُحرك عجلة التطور والإبداع والإنجاز، سواء على الصعيد الحضاري أو الإنساني.

لا يوجد وطن على هذا الكوكب، إلا ويتمتع بالكثير من مظاهر التنوع والتعدد والاختلاف، فتلك هي ضرورة الحياة وطبيعة الأشياء، وتلك هي الحقيقة الأزلية التي لا يمكن القفز فوقها، بل على العكس تماماً، فهي تحتاج ــ أي ظاهرة الاختلاف ــ إلى إرادة ذكية وقدرة حقيقية لاستثمارها وتوظيفها وإدارتها.

الاختلاف، سنة الحياة وبدهية الأشياء وحقيقة الواقع، تلك هي القناعة الكونية التي أسست ونظّمت وشكّلت الحضارة البشرية منذ بداياتها وحتى الآن. ولم تكن المشكلة فقط في وجود جبهة رافضة وممانعة لهذه الحقيقة، ولكن المشكلة كانت دائماً تكمن في كيفية إدارة هذا الاختلاف.

نعم، إدارة الاختلاف، هي كل ما نحتاجه في هذه المرحلة المهمة، للوصول إلى "الصيغة النهائية" لمجتع متطور يفخر بتنوعه وتعدده، إيماناً منه بظاهرة الاختلاف كقوة ناعمة كبرى تُمثل رصيداً ثرياً ومصدراً ملهماً وقيمة مضافة تُسهم في زيادة منسوب الإنتاجية والإبداع والإنجاز والتفوق.

المجتمع الواعي هو الذي يستثمر مظاهر التنوع والتعدد والاختلاف كمصادر للقوة والتناغم والتكامل لبناء واقعه والتخطيط لمستقبله، بعكس غيره من المجتمعات التي يُصر بعض أفرادها أو بعض مكوناتها على أن يكون النسيج المجتمعي كتلة صماء ذات لون واحد وصوت واحد وفكر واحد، وهي بلا شك مجتمعات لا تُدرك قيمة وقوة وتأثير التنوع والتعدد والاختلاف في مسيرة الحضارة الإنسانية.

وحتى نقترب كثيراً من السؤال/العنوان أعلاه، لابد من الاعتراف بحقيقة مرة لا يمكن تجاوزها، وهي أن المشكلة الأزلية التي عانت منها البشرية، تكمن في وجود طبقة/فرقة تظن بأنها تملك الحقيقة المطلقة والمعرفة الكاملة والمرجعية الوحيدة، وانها صاحبة الحق دون غيرها في صهر كل مظاهر وملامح التمايز والتنوع والاختلاف في بوتقة فكرها ومزاجها وقناعتها، لأنها تملك "الوصاية الكاملة" التي تمنحها الحق لصياغة وتشكيل وتوجيه المجتمع وفق ما تحمله هي فقط من أفكار وثقافات وقناعات، وهي ليست على استعداد لقبول أي رأي آخر أو فكر مغاير أو قناعة مختلفة، فهي ــ أي تلك الطبقة ــ المسؤولة الوحيدة فقط عن ممارسة الهداية والإرشاد والتوجيه، بل والتأديب والمحاسبة والمعاقبة إذا لزم الأمر.

الاختلاف كضرورة طبيعية ليس هو المشكلة، ولكن المشكلة تكمن في كيفية الإدارة والتوظيف والاستثمار، بعيداً عن كل مظاهر الوصاية والتوجيه والاستئثار.

نقلاً عن الرياض

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.