.
.
.
.

تجفيف المستنقعات لئلا يكثر البعوض

إبراهيم المطرودي

نشر في: آخر تحديث:

في بلادنا العربية أربعة مستنقعات، العراق وهو مستنقع قديم، نبتت فيه القاعدة، ووجدت من أجوائه ما يُمدّها بأسباب الحياة، وقتلت من العراقيين أعدادا هائلة، وتلته داعش ولم تكن عن أفعالها بالشعب بعيدة، وسورية مستنقع ثان استيقظت فيه كثير من البواعيض، وما زالت بطول النزاع تجد قُوْتَها وقُوّتها، وقتلت هي والنظام من الشعب، ودمّرت من المساكن، ومن لم تقتله شرّدته، أو اضطرته للهجرة، ومستنقع اليمن واجتمعت فيه نوابت القاعدة وداعش، ومكّن لها النزاع بين الحكومة الشرعية والانقلابيين أن تجد ملاذا آمنا تتكاثر فيه، وتتزايد حوله، ومستنقع ليبيا البلد الذي لم تقر حاله بعد، والمناوشات فيه مع الحكومة ما زالت قائمة، ولا أنسى في هذا السياق مصر، وما يجري فيها.

الجو المحيط بدولنا الخليجية مكهرب، والآفاق فيه مدلهمة مظلمة، وفي مثل هذه الأجواء تتكاثر الأوبئة، وتطلع رؤوس الفتنة، وتُفتح لها معسكرات مجانية، وتُهيئ الفوضى لمن أراد الخراب أن يفعله، ولمن بغى الفساد أن يجده، فما للفوضى من مكان أحسن من بقعة تضعف فيه الدولة، ويتقلص دورها، وتتجاذبها جبهات النزاع من هنا وهناك.

هذه الدول المضطربة، وأخص بالحديث العراق وسورية، بيئات حاضنة للإرهاب والإرهابيين، ترعى يرقات هذا البعوض النكد، وتصطلي به، وتبعث بشيء منه إلى دولنا بعد أن يقوى على الطيران، وينشط عليه، وما لم تُحلّ الورطة التي تعصف بهذه الدول، وتُعالج من القادرين عليها؛ فستظل هذه مستنقعات يتطاير منها البعوض، يلسع تارة هنا وأخرى هناك.

رسالتي إلى الدول التي أضحت مستنقعات، وكثرت فيه التحزبات، وازدادت فيها المطامع والاضطرابات؛ أن تقرأ كتاب الأستاذ أرسطو " في السياسة"، وتتأمل قوله في الحديث عن العلة النفسية للثورة والانقلابات، والاضطرابات كذلك،:" أما علة الحالة النفسية التي تدفع القوم إلى تبديل سياستهم؛ فيجب الاعتقاد بوجه عام أنها على الأخص تلك العلة التي تكلمنا عنها، فالبعض يثورون طمعاً منهم في المساواة، إن حسبوا أنهم ينالون أقل من أهل الوجاهة والثراء، على كونهم معادلين لهم. والبعض يثورون رغبة في عدم المساواة وفي التفوق، إن ظنوا أنهم لا ينالون أكثر من غيرهم، بل قسطا مساويا أو أصغر على كونهم يبذون الآخرين" ( أرسطو، في السياسة، 425).

لهذه الرسالة شرط، لا تقوم إلا حين الإيمان به، ولا تنجح دون القبول بما جاء فيه، وهو أن تنظر تلك الدول المضطربة والأحزاب المتحاربة فيها إلى ما يجري بينها على أنه وجه من وجوه صراع المصالح، وصورة من صور نزاع الإرادات، وأن هذا الذي دوّخ الدول، وجرّح المجتمعات، وزرع الألغام، ليس إرهابا خارجا عن قوانين الحياة، ومرضا شاذا يُعالج فقط بالقوة والحسم والتدمير، بل هي المصالح حين تتزيّا بالإرهاب، وتتقنع به، وما زلنا نؤمن بتلك المقولة: مصالح دائمة، لا صداقات دائمة، وهي عبارة لا يبعد أن تكون مختزلة من قول أرسطو المتقدم، وإن كان الرجل عنى بها دولة واحدة، وأصبحت بعد اختزالها تشير أكثر ما تشير إلى علاقة الدول وما بينها.

المصالح التي تتبرقع بالإرهاب، وتتستر خلف المدفع والأحزمة الناسفة؛ تفتح شهية مصالح آخرين ينتهزون الفرص، ويقتنصون المنافع، وإن كانت على حساب قوم آخرين، يدفعون ثمنها، ويصطلون بنارها، وتلك هي حال الأيام والأمم، ولا تحمي الغافلين عن سنن الحياة غفلتُهم، وقد قال شاعرنا المتنبي قبلُ:

بذا قضت الأيامُ ما بين أهلها مصائبُ قوم عند قوم فوائدُ

ومداوة هذه الدول المضطربة لهذا المرض، وسعي من فيها إلى حله، وعون المحيطين بها لها فيه؛ هو السبيل إلى سدّ الباب أمام المتربصين من أصحاب المصالح البُعداء الذين يجدون في الأمراض فرصتهم، ويرون فيها تجارتهم، وآخر مَنْ يُفكّرون فيه شيخ يموت، وطفل يغرق، وبلد يتمزق.

*نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.