.
.
.
.

إرهاب بالجملة!

محمد حسن مفتي

نشر في: آخر تحديث:

نفاد الصبر وفقدان الأمل عادة ما يدفع الخصم إلى التخلي عن فطنته وحكمته والتصرف بشكل أشد شراسة مع أعدائه، وقد واجهت الجماعات التكفيرية بالمملكة بمختلف طوائفها قبضة أمنية حديدية ولمست صلابة فكرية وتحديات أمنية عجزت عن مجابهتها طيلة فترة سعيها لزعزعة استقرار المملكة، مما دفعها في نهاية المطاف للجوء للعمليات الإرهابية الانتحارية والتفجيرات كحل أخير تثبت به وجودها، وهو الأمر الذي أثبت هشاشتها وتفكك بناها التحتية وعدم قدرتها على التأثير الجوهري في بنية المجتمع السعودي.
وعلى الرغم من أن العمليات الإرهابية الأخيرة بالمملكة تعد جزءا من مخطط أكبر يضرب المنطقة الإقليمية بأكملها، إلا أن هذه العمليات تأتي كرد فعل متكرر عن هزائم جسيمة تلحق بجسم هذه التنظيمات الإرهابية وأطرافها، وسواء كانت هذه الهجمات تحمل طابعا إستراتيجيا أو هدفها الثأر والانتقام، فإنها تبقى دليلا دامغا على دموية القائمين عليها، وقد شهدت الأيام القليلة الماضية موجات متتالية من العمليات الانتحارية بالمملكة، بدا أنها بدأت تتخذ طابعا شعبيا وتستهدف المواطنين أكثر من استهدافها للدولة ممثلة في قياداتها الأمنية، ومن المؤكد أن توقيت وطبيعة هذه العمليات تدل على أن هناك جهة إرهابية بعينها هى من تقف وراءها وتدعمها، ومن المسلم به أن الاستنفار الأمني المشدد مدى الحياة لا يمكنه استئصال الجريمة الإرهابية من جذورها، لأنها كالمسكنات الوقتية تخفف الألم لكنها لا تستأصله خاصة لو كان المرض مزمنا، وهذا ما دعا الإرهابيين أن يجمدوا عملياتهم لفترات من الوقت عند حدوث استنفار أمني شديد، ثم معاودة تنفيذ أنشطتهم الإرهابية الآثمة مرة أخرى بعد أن تهدأ الأوضاع. قبل أن نبدأ في تحليل هذه الأحداث يجب أن نضع أمامنا مجموعة من الحقائق: أولاها أن المملكة ليست الدولة الوحيدة المستهدفة في المنطقة، ثانيها أن جميع هذه التنظيمات - المسماة تجاوزا إسلامية - قديمة النشأة وهى ترتبط قديما وحديثا بحمل السلاح والخروج على إجماع الأمة، ثالثها أن محاربة الإرهاب يجب أن ترتبط بعدة محاور متوازية ومتشابكة في آن واحد، وليس من خلال محور واحد فحسب، فنحن نعاني مما قد نطلق عليه الإرهاب عابر القارات، وهو ما اتضح مؤخرا بعد الكشف عن هوية أحد منفذي العمليات الانتحارية الأخيرة، وهو بالطبع نوع من الإرهاب الخطر كونه يتمتع بدرجة بالغة من القسوة، كما يفتقد لمفهوم المواطنة والشعور بالانتماء.
لا شك أن المناصحة والرقابة الأسرية والثقافة التوعوية ونشر مناهج الاعتدال في المدارس والجامعات وحدها لا تكفي، فنحن يجب أن نبدأ من مقاربة عكسية عكس ما هو شائع في التحليل المعتاد، أي نبدأ من بحث حالات الإرهابيين المقبوض عليهم وتحليلها بطريقة علمية تحت إشراف الخبراء المختصين، والعودة إلى مسببات كل حالة على حدة ثم إيجاد أوجه الشبه بينهم وبعدها استخلاص النتائج، ومن المسلم به أن أي تنظيم إرهابي يبحث عن خلايا نائمة لتنفيذ أجندته الخاصة، لهذا يجب علينا البحث عن مسببات الخيانة نفسها وتحليلها تحليلا علميا للوقوف على أرضية صلبة.
إن تركيزنا فقط في القضاء على مصدر الإرهاب لن يحقق لنا الكثير، فمن رحم كل تنظيم إرهابي تخرج العديد من التنظيمات الإرهابية المنشقة عنها، فالقاعدة وداعش وتنظيم الجهاد وجبهة النصرة وغيرهم كلهم أبناء عمومة، بغض النظر عن اختلافاتهم الفكرية، كما أن إلقاء العبء فقط على الجهات الأمنية هو ظلم بين؛ فالجهات الأمنية لا تستطيع الدخول لكل منزل ومحاورة كل فرد مقيم فيه وتعيين حارس شخصي له، فالأمن هو مسؤولية كل مواطن، كما أن التهديد والوعيد قد يجدي مع بعض من تبقى لهم بعض العقل ولا يزالون يرغبون في الحفاظ على حياتهم، أما هؤلاء الانتحاريون فليس أمامنا ما نقوم بتهديدهم به، فنحن أمام عدو خفي أخذ سره معه، وسر التنظيم الأكبر الذي يدعمه ويقف خلفه.
لقد ركزنا خلال الفترة الأخيرة على أن الإرهاب في جوهره هو تغرير بالشباب وتغذيتهم بمفاهيم إسلامية خاطئة، لكن يجب أن نتذكر أيضا أن دوافع الإرهاب دوما دوافع سياسية، فأعداؤنا هم إيران ومن خلفهم من الحوثيين وحزب الله وبعض التيارات السياسية في العراق، كما أننا يجب أن ندرك أن عدونا الإرهابي هو أيديولوجية، وهو ما أثبته تنظيم الجهاد الإسلامي الذي ظهر في مصر في ثمانينات القرن الماضي وتبنى اغتيال الرئيس السادات، وعلى الرغم من عدوله عن أفكاره وتصريح قياداته «ومنهم كرم زهدي» بأن السادات قتل شهيدا في صراع فتنة، وأنه لو عاد بهم الزمن ما اشتركوا في قتله، إلا أن نتائج قتل الرئيس المصري لا تزال محفورة في التاريخ الحديث، وشاهدة على العنف الدموي الإرهابي لهذه التنظيمات المجرمة.
إن دحر الإرهاب واجتثاث جذوره لن ينجح كما ذكرنا من خلال المحور الأمني فحسب، كما أنه لن ينجح فقط من خلال التوعية الثقافية العامة التي لم تحاور متطرفا أو تواجه إرهابيا من قبل، فالأمر يتطلب أن يتحول كل مواطن إلى رجل أمن فعلا لا قولا، وأن يؤمن بأن الإرهاب لا نهاية له، وأنه يواجه وحشا فكريا كاسرا عليه دحره قبل أن يتغول في بقية أرجاء المجتمع، المواجهة يجب أن تبدأ من الواقع وإليه، ويجب أن تستند لحقائق معيشة واقعية لأن طرق محاربة الفكر الإرهابي لا توجد في الكتب بل توجد داخل رأس كل إرهابي يحيط به العديد من أقاربه وأصدقائه، والوصول لما داخل هذا الرأس هو المدخل الرئيسي لمحاربة الإرهاب والتعرف على دوافعه ومسبباته.

*نقلا عن "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.