.
.
.
.

براءة سبتمبر 11 والعلاقة غير المستحيلة

عبد الله موسى الطاير

نشر في: آخر تحديث:

الصفحات الثماني والعشرون المثيرة للجدل حول علاقة مزعومة للمملكة بأحداث 11 سبتمبر 2001م أصبحت الآن في متناول الجميع، وهي لا تختلف عن تقرير المخابرات الأميركية المركزية CIA الذي أعلن العام الماضي بعد التحفظ عليه طويلا. النتيجة واحدة وهي براءة السعودية حكومة ومسؤولين من أي تورط في التخطيط أو التنفيذ لتلك الأحداث الإرهابية.

ومع ذلك فقد كتب التقرير بلغة حمالة أوجه، وتكررت فيه ألفاظ تعيق الفهم السلس لدلالة مفرداته المراوغة من أمثال ربما، ويعتقد، ويزعم. صاحب نشر التقرير تأكيدات البيت الأبيض بأن النتيجة لا تشير مطلقا بأي إتهام للمملكة، ومع ذلك فسوف يلت فيه الإعلام الغربي ويعجن قبل أن يصبح نسيا منسيا. والمؤكد أن إعلان هذه الصفحات سحب من التيارات المعادية للمملكة سواء في الكونغرس أو الإعلام أو مراكز الدراسات سلاح الغموض والتوقعات والإحالات العشوائية على تلك الصفحات السرية.

والسؤال الذي أصبح أكثر الحاحا هو لماذا كل تلك السرية التي تجاوزت 13 عاما وتحت رئاستين أميركتين مختلفتين؟

لم تصدر إجابة على حد علمي عن هذا السؤال من الجهات صاحبة قرار تصنيف تلك الصفحات سرية، ولذلك فإن الاجتهاد في فهم السبب حق مشروع. ومن وجهة نظري فإن الدافع الأكثر منطقية كان تجنيب الأجهزة الأمنية والاستخبارية الأميركية تبعات فشلها في حماية الأمن القومي الأميركي، خاصة وأنها كانت آنذاك تخوض حربي ثأر في أفغانستان والعراق.

أما السبب الأقل تصديقا فيتمثل في رغبة صاحب قرار الحجب في حماية مصادر أو عملاء المخابرات الأميركية الذين ترددت أسماؤهم في التقرير، وقد طمست باللون الأسود في ثنايا الصفحات المنشورة، وهذا إجراء كان يمكن القيام به في وقتها دون الحاجة إلى صناعة كل هذا الغموض حول التقرير. ولا أريد أن الجأ إلى الابتزاز كمبرر لإخفاء تلك الصفحات على الأقل في هذه المقالة.

أعرف سلفا بأن هناك من سينصرف بعد هذه الفقرة لأنه يرى أننا نبحث عن مشاجب نعلق عليها مشكلاتنا بدلا من الاعتراف بأن فكرنا ومناهجنا وطريقة حياتنا هي سبب الإرهاب والبيئة الملهمة للتنظيمات الإرهابية من القاعدة إلى داعش. له حق الانصراف، كما أنني أهبه حق احتكار الثقافة إذا كانت لا تخلع إلا على من يؤمن بأننا سبب كل شر في هذا العالم.

شكرا لا أريد أن أكون مثقفا وفق هذا التصنيف، ولكني أتمنى أن أكون باحثا عن الحقيقة بشكل موضوعي، وسوف أطرح مرة أخرى علاقة القاعدة بإيران.

تنظيم القاعدة اعترف على الملأ. ومع ذلك فلنسأل أسئلة منطقية سبقنا إليها باحثون وقضاة وأدلى بها إيرانيون، وصدرت بها أحكام حول ما إذا كانت القاعدة بقدراتها الذاتية قد نفذت ذلك الهجوم؟

لنعد إلى تاريخ العمليات الانتحارية والسيارات المفخخة التي بدأت مع الثورة الإيرانية واستمرت إلى نهاية عام 1990م ثم توقفت نهائيا بعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان. إيران استخدمت الآلاف من متطوعي الباسيج من صغار السن ككاسحات الغام في خطوط التماس مع العراق أثناء حرب الخليج الأولى. وحزب الدعوة العراقي وحزب الله اللبناني المواليان لإيران كانا الأكثر توظيفا للعمليات الانتحارية والسيارات المفخخة. ولاحقا وجد تنظيم القاعدة في هذا التكنيك ضالته، وأصبح أكثر دموية وموجها لقتل المسلمين. فكيف تمت عملية نقل الخبرة؟

ابن لادن كان يمقت حسن الترابي ولا يثق به ولكنه وجد عنده خيطا فكريا رآه منسجما مع ما يؤمن به وهو التقريب بين السنة والشيعة. شكل هذا الاعتقاد توجهات أسامة بن لادن فيما بعد نحو إيران. أما الرجل الثاني وزعيم القاعدة حاليا أيمن الظواهري فسبق ابن لادن إلى إيران حيث استضافه الحرس الثوري وعمل معه على خطة لثورة إسلامية في مصر على غرار الثورة الإيرانية، وتم تدريبه ورجاله في إيران، ولكن المخطط لم ينفذ.

أبو هاجر العراقي تحدث في حضور أسامة بن لادن ناصحا أعضاء تنظيم القاعدة بضرورة التقارب مع إيران، واعتبر بأن المسلمين سنة وشيعة لديهم عدو مشترك وحيد وهو الغرب، ويجب أن يسخروا كل طاقاتهم مجتمعة للقضاء عليه. ولذلك فقد اجتمع حماس القاعدة وتجربة إيران وإمكاناتها كدولة على غاية واحدة وهي هزيمة الشيطان الأكبر أميركا، وفقا للباحث لورانس رايت الذي أصدر عام ٢٠٠٥ كتابا مهما بعنوان The Looming Tower: Al-Qaeda's Road To 9/11 أورد فيه حقائق عن العلاقة بين الطرفين.

وبناء على هذا الإيمان الراسخ عند أسامة بن لادن بوحدة الهدف فقد أرسل عناصر من القاعدة لزيارة معسكرات حزب الله في لبنان، والتدرب على يدي الحزب فيما يتعلق بتفخيخ السيارات والعمليات الانتحارية. واستضاف أسامة بن لادن أحد قادة حزب الله المدعو عماد مغنية الذي قتل في سيارة مفخخة في دمشق. طلب أسامة بن لادن من عماد مغنية تدريب عناصر القاعدة، وطلب مغنية في المقابل من أسامة بن لادن شراء أسلحة لحزب الله، وتم الاتفاق على ذلك.

لقد تضمن حكما المحكمة الفيدرالية الأميركية في نيويورك عامي 2011 و2016م تفاصيل التنسيق بين القاعدة وإيران فيما أسمته إيران عملية حرق الشيطان، وأسمته القاعدة غزوة مانهاتن.

هذه العملية التي صممت لضرب أهم عدوين للقاعدة وإيران ببعضهما البعض. ومع علم أسامة بن لادن والمرشد الأعلى للثورة بالتفاصيل إلا أن التنسيق واللقاءات العملياتية استبعدت ابن لادن واقتصرت على رجلين لا ثالث لهما كانا مخولين بالتواصل مع المسؤولين الإيرانيين وهما أيمن الظواهري وعماد مغنية. وبذلك فإن السعوديين الخمسة عشر، إذا ثبت أنهم ليسوا مدفونين في إيران، واسامة بن لادن كانوا الغطاء الذي استخدمته إيران لضرب العلاقات السعودية - الأميركية والتخلص من عدوين في ضربة واحدة. أسامة بن لادن واجه مصيرا غامضا، وعماد مغنية اغتيل في دمشق وهي آمن مكان له على وجه الأرض، والظواهري الركن الثالث في العملية والذي سيواجه المصير نفسه وقريبا.

نعم القاعدة واسامة بن لادن كانا الطرف الأغبى في تلك الهجمات، ولكن لم تبحث طبيعة الدعم الاستخباري والتدريبي والاحترافي الذي قدمته دولة مثل إيران لتلك الغزوة التي أحرق فيها "الشيطان" في عقر داره.

إن العلاقة بين القاعدة وإيران لم تكن مستبعدة ناهيك عن أن تكون مستحيلة، ولعل هذا يكون توجه البحث والدراسة مستقبلا.

نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.