.
.
.
.

تأطير الدين ومنافذ الإرهاب

صالح الديواني

نشر في: آخر تحديث:

ما الذي نستطيع فعله لتغيير الصورة النمطية للإسلام لدى الغرب، وسط كل هذه الأعمال الانتحارية والهجمات الإرهابية؟

لم يكن الإسلام في جوهره يوما إلا مشعلا، حمل على عاتقه هم وهاجس التنوير والخلاص الإنساني. إذ إننا لم نقرأ أو نجد في عمق أو ظاهر الإسلام ما يشجع على تبني الفكر التكفيري، والمبادئ الاستبدادية كطريقة للدعوة، ولم يكن في أساسه إلا رسالة عبرت عن نفسها بوسائل متعددة للسلم والسلام، وقد قرر الله -سبحانه وتعالى- آلية تحركه دون مصادرة الآخر، أو نبذه، أو تجاهله، أو تجهيله، فقال تعالى: (أُدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن). وهذا يمنحنا تصورا بهيا عن الإسلام، على غير ما يتصوره السواد الأعظم في الغرب عنيفا، أو كما جاء في تصور المتأخرين من الأوروبيين حينما وصفوه بالمعقد والمتطرف، على خلفية ما تمارسه مجموعات الإسلام الراديكالية.

فهل فشل المسلمون في تقديمه كدين عالمي، ولماذا رأت العديد من الأمم فيه دينا رجعيا؟ ثم ما الذي نستطيع فعله لتغيير الصورة النمطية للإسلام لدى الغرب، وسط كل هذه الأعمال الانتحارية والهجمات الإرهابية؟

إن المتتبع لسيرة الإسلام سيرى أن المسلمين أنفسهم هم من خذلوا الإسلام ولم ينجحوا في تقديمه كدين محبة ورحمة. في الوقت الذي لم يخذلهم فيه الإسلام حتى اللحظة. ولقد كان لوقوع المسلمين في مزالق تأطير الدين الأثر السلبي لاحقا، إذ إنهم قيدوا الإسلام حينما وضعوه بكامله فكرا ونصا ومعتقدا، ضمن أُطر بعينها تم تحديدها على ضوء تفسيرات للنصوص ارتبطت بأشخاص وعلماء وحقب زمانية معينة، ودارت داخل تلك الأطر حالات الأخذ والرد، بين فئة مدعومة بسلطة الحاكم، وبين بعض معارضيها. ليأتي من يروج لحجر الدين على من سبق، وتضعيف قدرة من سيأتون من بعدهم من علماء ومفكرين، فلم يُسمح بتناولها أو الخوض فيها، بل وضعت الأحكام المسبقة، وتقديم الظن بالغواية والتجهيل، لمن سيحاول فتح ملفاتها أو وضعها على طاولة البحث. على الرغم من كون تلك الأطر في الأصل، لا تعدو أكثر من مستنبطات وتفاسير للنصوص اجتهادية، ولا تملك أحقية الأخذ بها جوهريا كثوابت عقدية لا تجوز مناقشتها، أو محاولة إعادة النظر فيها على ما بنيت عليه.

من هنا يتضح أن في ذلك مصادرة واضحة، وتجهيلا لبقية العقليات الإنسانية الإسلامية المتعاقبة، وحجرا على الأمة والعقلاء فيها. ليواصل المتأخرون من المسلمين الدوران داخل ما وضع داخل تلك الأُطر القديمة، وبات موضوع الخوض فيها محض مضيعة للوقت نتيجة لذلك، وكأن العقلية الإسلامية ستقف عند ذلك الحد، أو أنها لن تكون أمينة وقادرة على التواصل مع النصوص. فاكتفى المسلمون المتأخرون بما قاله المتقدمون خوفا من الوقوع في الإثم، نتيجة فقدهم الثقة في أنفسهم، أو رهبة من السلطات السياسية على مر التاريخ التي تميل للاعتقاد بقول فئة بعينها. وظلت العقلية الإسلامية لعدة قرون مرتبطة بتلك الحالة النفسية التي بلغت حد الاعتقاد، دون تقديم محاولات حقيقية وجادة للتواصل مع مضامين النصوص الدينية وإعادة النظر إليها من منظور التحولات والعصر، إلا في مرات خجولة كانت في عهد الدويلات العربية الإسلامية بالأندلس على يد بعض العلماء والمفكرين أمثال ابن حزم، وابن رشد، وغيرهما ممن وصفوا لاحقا من قبل معارضيهم بالزندقة، والتجديف. فغاب الإبداع والابتكار.

وفي الوقت الراهن تظهر حاجتنا الملحة لإعادة ترتيب مفاهيمنا عن الإسلام وتعاليمه، ومسح الصورة المشوهة التي انعكست في وجدان أبنائه فاختطفهم الإرهاب، وفي ذهنية الآخر فتصوره عنيفا.

* نقلا عن "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.