تشويه وجه القطيف المتسامح والمثقف

حسن المصطفى
حسن المصطفى
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

في مارس 2014 أصدر عدد من كبار علماء الدين في القطيف والدمام، بيانا حذروا فيه من عظم خطر وجود "جماعات وتيارات متطرفة تمارس الإرهاب والعنف تحت عناوين دينية وسياسية"، مؤكدين على أن"الدين بريء من الإرهاب".

وهم في ذات البيان أشاروا بشكل واضح لا لبس فيه إلى أن "أي استخدام للسلاح والعنف في وجه الدولة أو المجتمع مدان ومرفوض من قبل علماء المذهب وعموم المجتمع، ولا يحظى بأي غطاء ديني او سياسي".

أهمية الرجوع لهذا البيان واستحضاره في هذا الوقت، لفهم تداعيات جريمة إطلاق النار على عمدة جزيرة تاروت، عبدالحليم كيدار، الذي نجا من موت محقق، في اعتداء جعل الكثيرين يتساءلون عن مدى الخطورة المترتبة على اللجوء إلى العنف. وهو ما دفع قاضي الأوقاف والمواريث السابق في محكمة القطيف، الشيخ عبدالله الخنيزي، إلى إصدار بيان أكد فيه على أن "الاعتداء على الحرمات بكل أشكاله ومع أي جهة أمر مرفوض شرعاً وقانوناً وسيفضي بالمجتمع إلى الدخول في فوضى عارمة ستُخل بالسلم الأهلي وستؤدي إلى عدم الاستقرار".

إن تفشي السلاح بيد مجموعات خارجة عن سلطة الدولة، يعيد المجتمع إلى حال "الطبيعة" التي تحدث عنها الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبس، حيث "حرب الجميع ضد الجميع".

وهي الحال التي دفعته وفلاسفة آخرين مثل باروخ اسبينوزا إلى التأكيد على أهمية وجود كيان جامع يتمثل في "الدولة"، تكون لديه حصرية وقانونية "استخدام العنف"، وفق ما تقرره الأنظمة والأحكام، والتي تمثل مرجعية دستورية عليا. وتبلور هذا المفهوم لدى ماكس فيبر، والذي نظر لمفهوم "احتكار القوة" بيد الدولة وأجهزتها، والتي تستخدم هذه القوة للدفاع عن الجميع من مواطنين وسواهم، ممن يوجدون ضمن نطاق سلطتها القانونية.

الاختلاف في الآراء وأنماط العمل، بل حتى التضاد في التفكير وأساليب الحياة، والفهم المختلف للوقائع السياسية والدينية من حولنا، لا يخول أي فرد لأن يصادر حياة الآخرين، أو يحكم عليهم بالموت.

حتى في الحالات التي يعتقد فيها الفرد أن هنالك مفسدة ستحصل من وراء عمل يقوم به فرد هنا أو رأي يبوح به شخص هناك، فإنه لا يحق له قمعه أو التحريض عليه، وإنما يتم التعامل معه وفق ما تنص عليه القوانين التي تنظم عمل المجتمعات وتمنع نشوب النزاعات.

إن الموضوع لا يتصل بالدفاع عن شخص أو فرد بعينه، بل الخطر أن تعمم ثقافة العنف والاحتكام للسلاح في حل الخلافات في مجتمعاتنا، وهو ما يفتح المجال أمام الفوضى ويهدد السلم الأهلي، ويخلق جوا من الرعب بين الناس.

هذه الفوضى من قبل مجموعات مسلحة محدودة وصغيرة، تحاول أن تختطف المشهد بأكمله في القطيف ونواحيها تحت عناوين سياسية أو مذهبية أو حقوقية مزعومة، هذه الفوضى لابد أن تنتهي، وأن يتم حل المشكلة والتعامل معها بشكل جدي في جميع أوجهها، وألا تقتصر المعالجة على جانب واحد وحسب، لأن ذلك من شأنه أن يعيد انتاج المشكلة لاحقا وبأساليب مختلفة.

القطيف اليوم يحاول البعض سرقة وجهها الإنساني المتسامح والمثقف، وهي السرقة التي تريد أن تجعلها وكأنها نتوء خارج سياق الوطن، فيما هي باقية جزء لا يتجزأ من وطن كبير، لن تكون إلا منارة من منارات علمه وشموخه.

* نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.