.
.
.
.

عايشة بأكلها وشربها!

سمر المقرن

نشر في: آخر تحديث:

من المثير للعجب، أن تنتشر لدى - بعض- فئات المجتمع، فكرة أن تعيش المرأة في بيت زوجها بـ(أكلها وشربها).. هذا الكلام لا أقوله من عندي، بل هي ردود كثيرة تصلني عبر مواقع التواصل الاجتماعي عندما يكون الحديث في وارد الحياة الزوجية والطلاق، فتكون هذه الردود على هيئة أن الرجل طالما يصرف على بيته فإن على المرأة أن تقبل الاستمرار في الحياة معه بـ(أكلها وشربها) وكأنها إن خرجت من بيته ستموت من الجوع!

هذه الفئة مادية بحتة، لا تنظر إلى الحياة سوى من زوايا صغيرة أضيق من خرم الإبرة، تنظر إلى الحياة أنها تستمر بالأكل والشرب، دون أي اعتبارات عاطفية وإنسانية، وهذا من أهم أسباب نضوب الأخلاق، واختفاء القيم الأساسية عند أي إنسان، فنظرته المحدودة لا تتعدى هذه الحاجات البسيطة التي لن يُحرم منها الإنسان ومستمرة باستمرار حياته.

عندما تصادفني هذه النوعيات من البشر، أشعر بضرورة التأكيد على القيم الفكرية، وإعادة تأسيسها وتنميتها بما يتوافق مع العقل ومع الإنسانية والأخلاق، وضرورة الرجوع إلى التفكير المنطقي وهو الطريق الصحيح إلى الأمن الإنساني في العلاقات بين البشر بشكل عام، وبين الزوجين بشكل خاص.

أي تفكير هذا الذي يجعل الناس ترى أن من أهم مقومات الحياة الزوجية (المأكل والمشرب) وبأي حق تُصادر إنسانية المرأة ورغباتها وتطلعاتها وحياتها بُرمتها فقط لأنها يجب أن تبقى وتعيش مع رجل لأنه وفر لها المأكل والمشرب؟! نوع من التفكير العقيم والغريب والذي لا يُمكن أن تصل حدوده إلى المعاني الحقيقية للحياة الزوجية السعيدة.

أتفهّم جيداً، أصحاب رأي بقاء المرأة في بيت زوجية بلا حياة لأجل أولادها، وأرى أن هؤلاء لديهم نوع من المنطقية أكثر من أصحاب رأي العلاقة النفعية القائمة على توافه الأمور، وإن كنت أختلف من ناحية أن الأولاد لا يُمكن أن ينشأوا بشكل نفسي سليم وهم يعيشون بين أبوين انقطعت بينهما العاطفة.

الزواج هو مشروع لا بد أن يؤسس من البداية على أهم القواعد العاطفية، وإذا سقط ركن من أركانها فإنها تذبل وإن استمرت فهي تشبه الميّت دماغياً الذي يعيش تحت أجهزة العناية المركزة، وبمجرد سحبها عنه يموت، إذن هو ميّت من الأساس، فهنا تكون الحياة الزوجية عبارة عن عبء ليس على الزوجين فقط، بل على الأسرة بأكملها، هذه الحياة الميتة يجب أن تتوقف وتنتهي، فالاستمرار بها عبارة عن عذاب مُضاعف على جميع أفراد الأسرة، وإن بقيت المرأة في هكذا حياة فهي إذن من نفس ركب من يُفكر بأن البقاء هو للمأكل والمشرب!

* نقلاً عن "الجزيرة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.