.
.
.
.

البعد الآخر غير الاقتصادي لتعديل الرسوم

طلعت بن زكي حافظ

نشر في: آخر تحديث:

أقر مجلس الوزراء يوم الاثنين الماضي، عدة تعديلات تَعلقت بالرسوم الواردة في عددٍ من الأنظمة، بهدف وكما نظر إليها البعض بمعزل عن أي اعتبارات أخرى، أنها أتت في إطار تدعيم إيرادات الدولة غير النفطية للمملكة خلال السنوات القادمة.

وإن كنت بكل تأكيد لا أقلل من قيمة وأهمية ذلك الهدف، لاسيما وأن الحكومة قد تبنت مؤخراً عدداً من المبادرات والإجراءات، الرامية إلى التعزيز من كفاءة الاقتصاد الوطني ومصادر دخل الدولة (وبالذات غير النفطي)، إلا أنه برأيي هنالك أبعاد أخرى لتلك التعديلات في الرسوم، التي لربما قد لا تكون ملموسة لدى جميع أفراد المجتمع ومدرك لها تماماً، والتي بدورها ستساعد من وجهة نظري على التحسين من نوعية حياة المجتمع السعودي ككل، إضافة إلى المساهمة في ضبط السلوكيات المتهورة لبعض أفراد المجتمع.

فعلى سبيل المثال، يأتي قرار فرض رسم تأشيرة الدخول لمرة واحدة بواقع ألفي ريال، على من ينوي أداء الحج أو العمرة، على أن تتحمل الدولة هذا الرسم عن القادم لأول مرة لأداء فريضة الحج أو مناسك العمرة، من منطلق أن هذا الرسم سيساعد على اعطاء فرصة أكبر لعامة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها من الذين لم يؤدوا تلك الفريضة أو تلك المناسك، بأن يقوموا بتأديتها، والذي برأيي سيحقق العدالة الإسلامية في الحقوق والواجبات والالتزامات لكافة المسلمين على سطح الأرض وعلى مستوى العالم. كما أن فرض مثل ذلك الرسم سيساعد على تنظيم تواجد الحجاج والمعتمرين في الأماكن والمشاعر المقدسة، التي تتسم بمحدودية المساحة الشرعية المخصصة لأداء تلك الواجبات الإسلامية، وبالتالي فإن ذلك الرسم قد يسهم بفاعلية في التخفيف من حدة الازدحام والتزاحم بتلك الأماكن ومن تدفق أعداد الحجاج والمعتمرين، وبالذات من الذين قد قاموا في وقتٍ سابق بأداء تلك الفريضة وتلك المناسك، مما سيتيح لغيرهم من المسلمين الذين لم يتمكنوا من أدائها من القيام بتأديتها في جو مفعم بالروحانية يسوده الهدوء والطمأنينة، بعيداً كل البعد عن وكما أشرت عن الازدحام والتزاحم.

أما فيما يتعلق بفرض غرامات على المخالفين لأنظمة المرور، مثل المفحطين كأول مرة بواقع 20 ألف ريال، و40 ألف ريال للمرة الثانية، و60 ألف ريال للمرة الثالثة، إضافة إلى إحالة المفحط للمحكمة للنظر في سجنه ومصادرة مركبته في المرة الثالثة، فهذا برأيي هو التصرف الرادع والسليم لأي فرد من أفراد المجتمع لا يكترث وغير مبالٍ بأرواح الآخرين، لا سيما وأن مثل هذا النوع من المخالفات وغيرها كقطع الإشارة الحمراء والسرعة الزائدة، تتسبب في كل عام في إزهاق ارواح الآلاف من البشر، إضافة إلى ما تتسبب فيه من حدوث أضرار جسيمة بالممتلكات العامة والخاصة. وبالتالي لربما ستكون تلك الغرامات بمثابة رادع قوي لضبط سلوكيات المتهورين والمستهترين من أفراد المجتمع، مما سيحقق للمملكة ولأفراد المجتمع مبتغاهم وبالذات لأفراد المجتمع بأن تكون لديهم بيئة مرورية تتسم بأعلى مواصفات السلامة المرورية، والذي بدوره سيكفل التقليل من أعداد الحوادث المرورية على مستوى المملكة، بما في ذلك التقليل من معدل وفيات حوادث الطرق وفقاً لما استهدفت ذلك وزارة النقل ببرنامج التحول الوطني 2020، بخفض معدل وفيات حوادث الطرق لكل 100,000 ساكن من خط الأساس (27) إلى المستهدف (20).

خلاصة القول، إن التعديلات الأخيرة التي أقرها مجلس الوزراء لعدة رسوم، برأيي لم تستهدف في المقام الأول تعزيز مصادر الدخل غير النفطي بقدر ما استهدفت المحافظة على سلامة المجتمع والتحسين من مستوى ونوعية حياة أفراده، لاسيما وأن الإيرادات التي سوف تتولد عن تلك الرسوم لن تقوم الدولة باكتنازها والاحتفاظ بها، بل ستقوم بإعادة إنفاقها وضخها في شرايين الاقتصاد الوطني، بغية تحقيق الأهداف السامية والنبيلة من وراء إقرارها، وبالذات المتمثلة وكما أشرت في المحافظة على سلامة المجتمع والتحسين من مستوى ونوعية الحياة لكافة أفراده.

* نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.