تكرار التجارب الناجحة والاعتماد على الخبرة الوطنية أهم مقومات الأمم

حمد عبد الله اللحيدان
حمد عبد الله اللحيدان
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

مما لاشك فيه أن المملكة بذلت وتبذل جهودا جبارة لنشر التعليم والرقي به الى المستوى المنشود، وقد نجحت في مجال الكم نجاحا باهرا حتى عم التعليم مختلف المناطق حاضرة وبادية الا ان الكيف في تراجع مستمر على الرغم من رصد مليارات الريالات لهذا الغرض، فمنذ 1425 وحتى الان تم رصد اكثر من 90 مليار ريال من اجل اصلاح وتطوير والنهوض بالتعليم كما وكيفا بحيث يتماشى مع رؤية المملكة وبرنامج التحول الوطني وذلك انطلاقا من ان التعليم هو اللبنة الاولى والاساس المتين الذي تبني عليه الامم برامجها وخططها ومرتكزاتها لانه المسؤول عن تخريج جميع الكوادر التي تتحمل مسؤولية الحراك الوطني بجميع فعالياته العامة والخاصة. وحدث ولا حرج فلا حراك ولا تحول وطني بدون تعليم ناجح بل متميز يأخذ على عاتقه تخريج اجيال متميزة في مجالات متعددة في مقدمتها التعليم والتدريب الفني وذلك اسوة بدول العالم المتقدم التي يلتحق فيها 35 في المئة من خريجي الثانوية العامة في الجامعات والبقبة 65 في المئة تذهب الى معاهد ومراكز التدريب او الى التوظيف المباشر حيث تقوم الشركات وارباب العمل بتدريبهم على رأس العمل حتى يصبحوا متميزين فيه حتى ان بعض المتميزين منهم يتدرجون في المناصب والمسؤولية حتى يصبح رئيس مجاس ادارة نتيجة لتميزه وليس نتيجة لماله او معارفه، بينما الامر لدينا معكوس حيت يقوم القطاع الخاص لدينا باستقدام الملايين من العمالة الاجنبية غير المدربة ويتيح لهم التدرب على رأس العمل على حساب المشروعات وحساب الاخرين حتى يصبح ذلك العامل خبرة تستفيد منها في النهاية دول اخرى بعد انتها عقده اي اننا ورشة تدريب للاخرين في كافة المجالات مثل التمريض والتشغيل والصيانة والبناء والاعمار والنقل والمواصلات والفندقة وجميع الامور الحرفية والاستشارية.

التعليم لدينا وبفضل تشجيع الدولة خرّج جميع العاملين الذين يديرون حراك الدولة في جميع القطاعات الحكومية واصبح لدينا الاف الاساتذة الجامعيين في مختلف التخصصات اغلبهم من خريجي افضل الجامعات العالمية ومع ذلك تظل الاستفادة منهم محدودة في المجالات الاستشارية وغيرها ولهذا تظل خبرتهم محصورة في مجالين هما التدريس والبحث العلمي غير الموجه بينما في البلاد المتقدمة يوضع كثير منهم تحت المحك بحيث تتم الاستفادة من المتميزين منهم في المجالات الاستشارية والسياسية والدبلوماسية والاقتصادية كما يستقطبون من قبل مراكز الدراسات الاستشارية وهذا يعني ان مردود تعليمهم يصبح اكبر بالنسبة لكل منهم وبالنسبة للدولة لكن الادهى والامر ان يتم الاستغنا عن الاستاذ الجامعي عند بلوغ سن الستين سنة هجرية (58 سنة ميلادية) الا قليلا منهم مع ان سن التقاعد في الدول المتقدمة في الغالب هي 70 سنة ميلادية ويمكن للمتميزين منهم الاستمرار لما فوق ذلك، هذا اذا لم يتم استقطابه للعمل الدبلوماسي او الاستشاري في الدولة او القطاع الخاص.

اما في الدول النامية فان زامر الحي لا يطرب ولهذا تتم الاستعانة بالشركات الاستشارية التي تكلف الاستعانة بها عشرات المليارات من الدولارات مع مرور الوقت والمحصلة (احصد هواء وغمر ماش) لان الشركات الاستشارية في الغالب عند الاستعانة بها تطرح كما هائلا من الاسئلة ومن ثم يعقدون اجتماعات او مقابلات مع عدد كبير من المسؤولين والكتاب واصحاب الرأي ويطلبون بصورة غير مباشرة منهم الاجابة عن تلك الاسئلة التي اصبحت في حوزتهم والتي زودوا بها يلي ذلك اعادة ترتيب الاجابة عن تلك الاسئلة ملغمة برؤى واقتراحات تضمن عدم الاستغناء عنهم ناهيك عن ادخال بعض الاقتراحات التي لا تصلح الا لبلادهم وتضمين تلك الاقتراحات بصورة ذكية امورا ظاهرها براق وجذاب بينما باطنها فيه كثير من المشكلات التي لا تظهر الا مع التطبيق وهنا تأتي الورطة حيث يصعب التراجع من ناحية، ويصعب الاستمرار في التنفيذ من ناحية اخرى ما يعني الفشل او الاستمرار في مكانك سر.

نعم لايمكن التقوقع والاكتفاء بالخبرة الوطنية لان تلك الخبرة تتقادم وتصدأ اذا لم تتمكن من الاحتكاك مع اصحاب الخبرة العالمية ولهذا فانه من الادعى الجمع بين الخبرتين بحيث تكون الخبرة الوطنية صمام امان يمكنها اعادة بلورة بعض المقترحات بما يتناسب ومتطلبات البيئة المحلية من ناحية، وضمان المشاركة وتجديد المفاهيم من ناحية اخرى.

ولا شك ان هذا الاسلوب احد اوسع الابواب الداعية الى انشاء مركز او مراكز للدراسات الاستراتيجية التي تأخذ على عاتقها اعداد الدراسات والخطط والاستراتيجيات والتحاليل السياسية والاقتصادية والامنية والعسكرية واقتراح البدائل الممكنة لكل منها وذلك على غرار ما هو معمول به في البلاد المتقدمة التي تعتمد في استراتيجياتها البعيدة المدى على ما تقدمه تلك المراكز من اقتراحات للرؤى الآنية والمستقبلية التي تقدمها للدولة وللقطاع الخاص حسب الطلب بصورة دورية.

نعم ان التجارب الوطنية الناجحة يمكن ان تكرر مع اخذ التطوير والابتكار بعين الاعتبار بحيث يصبح النجاح اللاحق افضل من النجاح السابق ونحن في المملكة نجحنا في مجال انشاء بعض الصناعات مثل الصناعات البتروكيميائية وغيرها ولهذا الغرض تم انشاء مدينتين صناعيتين جبارتين هما الجبيل وينبع اللتين تديرهما الهيئة الملكية للجبيل وينبع بكل اقتدار وتم تكرار ذلك النجاح في كل من مدينتي رأس الخير ووعد الشمال وهذا يعني اننا قادرون على تكرار التجارب الناجحة في اماكن ومواقع اخرى من بلادنا آخذين بعين الاعتبار ان تعدد المواقع وبعدها عن بعض له بعد امني واستراتيجي بالاضافة الى ان فيه اعمارا لمناطق جديدة وخلق فرص عمل متعددة وذلك على قاعدة لاتضع البيض كله في سلة واحدة.

نعم تعدد مصادر الدخل وعدم الاعتماد على البترول كمصدر وحيد للدخل يعتبر اولوية قصوى كتبت عنه في هذه الزاوية اكثر من عشر مقالات مشيرا الى انه يحتاج الى رؤى ومبادرات نوعية تأخذ بعين الاعتبار زيادة الدخل دون ان ينعكس ذلك سلبا على الامور الاخرى التي جعلتنا متميزين عن الاخرين والتي انعكست ايجابا على امننا واستقرارنا حتى الان وهذا يعني ان خطة التحول الوطني ورؤية المملكة 2020 و2030 وما دونهما سوف تأخذ بعين الاعتبار تكرار النجاحات وعدم الاعتماد كليا على مقترحات الشركات الاستشارية الاجنبية دون اعادة تمحيصها وبلورتها من قبل الخبرة الوطنية المتوفرة وبما يتناسب وخصوصيتنا الوطنية حتى لا نتراجع من منتصف الطريق او نقع في الفشل لا قدر الله.

والله المستعان

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.