عروة بن الورد في سوق عكاظ

 زياد آل الشيخ
زياد آل الشيخ
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

توقف الجميع عند قول عروة بن الورد: أقسم جسمي في جسوم كثيرة، فلم يعد يعنيهم ما يقول بعده. ولعل هذا الشطر هو أجمل ما قاله عروة ومن أجمل ما قيل إلى يومنا هذا، لكنه معنى يشير إلى شخصية عروة التي تفردت عن غيرها في السماحة. يقول عبدالملك بن مروان: من قال إن حاتما أسمح الناس فقد ظلم عروة. وإن كان المعنى الذي يشير إليه الشطر يُفسر على المستوى الأول بالكرم، لكنه يذهب أبعد من ذلك إلى مفهوم الفرد والجماعة. كيف يبذل الفرد نفسه للجماعة، فيكون فردا مقسما بينهم، ويكونون هم جماعة مكتملي الفردية، كل واحد منهم له وحدة مستقلة. ولا يقف هذا المعنى عند علاقة الفرد بالجماعة، بل يصلح أن يكون معنى للأشياء أيضا. كيف يكون الشيء مقسما إلى أجزاء متعددة ويبدو كشيء واحد؟

واليوم إذ تحتفل عكاظ بالمعاني التي يمثلها شعر عروة بن الورد، يكون قد مر على سوق عكاظ عشرة أعوام منذ انطلاقته الجديدة. ولعل عكاظ اليوم نفسها تقسم جسمها في جسوم كثيرة لتخدم الثقافة بمعناها الواسع بالتفاتة إلى الماضي وانطلاقة إلى المستقبل.

فالملاحظ منذ انطلاقة سوق عكاظ أنه يتجدد نحو المستقبل بمحاور جديدة وفنون عصرية. فإن من أهم محاور سوق عكاظ التي طرحت في دورات سابقة، المحور الاقتصادي. وعلى خلاف ما نراه في المناسبات الثقافية من غياب للجانب الاقتصادي، فإن السوق ينحو إلى الاتصال بالجانب الاقتصادي الذي كان يجمع الناس في موسم واحد بحيث يكون مؤتمرا ثقافيا اقتصاديا اجتماعيا.

ومما جد في عكاظ في دورته العاشرة الاحتفاء بالرواية. هكذا يكون قد اتسع النطاق الثقافي للسوق ليشمل عنصرا مهما لواقعنا الأدبي، كأحد الفنون التي تأخذنا إلى آفاق جديدة. وإن كنت أرى أن الرواية بمعناها المعاصر تحد من الأفق الذي يلائم الامتداد التاريخي الذي يمثله السوق، فإن هوية السوق مرتبطة بالتاريخ حتما لكنها، وكما أشار الأمير خالد الفيصل في أكثر من مناسبة، أن سوق عكاظ طرح للمستقبل. فحين يكون طرح الرواية احتفاء بها في السوق من خلال الأعمال المعاصرة فقط، فإننا نفقد الاتصال بمعنى الرواية في الماضي. فالرواية بالمعنى العريض هي عصب التراث الإسلامي وهي التي حفظت لنا كل ما نعرفه عن سوق عكاظ والشعر الذي نحتفي به اليوم، فهل يجدر بنا أن نفتح أفاقا جديدة للماضي من خلال الحاضر، كما نفتح آفاقا جديدة من الماضي إلى المستقبل؟

أي أن تكون الرواية المعاصرة نافذة مناسبة لفتح آفاق جديدة لفهم الرواية التاريخية؟

إن معنى عروة بن الورد في العلاقة بين الفرد والجماعة يصلح لأن يكون أحد المعاني التي يتمثلها السوق. فسوق عكاظ في الماضي كان مقسما، كما يقول عروة، ليستوعب أوجه الحياة المعاصرة في الجاهلية والإسلام. والتحدي الذي أمام السوق أن يتمثل البيت فيكون انعكاسا لحاضر نعيشه وامتدادا لماض يعيش فينا. لابد أن هذه المعادلة الصعبة—إن شئت—تمثل تحديا للتنمية نفسها اليوم.

كيف للمعنى القديم أن يعود من خلال الحاضر بشكل جديد؟ وكيف للماضي أن يكون منظارا نرى به المستقبل؟ وكيف لهذا كله أن يكون واحدا في جماعة وجماعة في واحد؟

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.