.
.
.
.

مشكلة القبول.. الواقع والافتعال

مشاري عبد الله النعيم

نشر في: آخر تحديث:

ربما يستغرب البعض من عنوان هذا المقال فقد وضعت افتراضا مبكرا بأن هناك افتعالا وتضخيما لمشكلة القبول في الجامعات، وأن هذه المشكلة التي تظهر على ملامح الآباء والامهات، مع بداية الاجازة كل عام، وتشعرنا بالأسى في كثير من الأحيان ما هي إلا مشكلة تم ابتكارها على المستوى المجتمعي وتم تضخيمها مع الوقت حتى أصبحت تهدد الاستقرار الاسري وصار الآباء لا يتمنون ابدا أن يكون لديهم ابن أو ابنة على مشارف الجامعة، فهل هذا الافتراض صحيح؟

طالما أننا دمجنا التعليم العام والتعليم العالي في وزارة واحدة فيجب أن يكون لهذا الدمج نتائج واضحة وفي اعتقادي أن اهم نتيجة يمكن أن نحصل عليها هي تطوير التعليم الثانوي

وإذا كان ذلك صحيحاً فلماذا وصلنا إلى هذا الوضع وهل غيرنا من المجتمعات يعاني من نفس الاشكالية أم أن الدول تتكيف وتغير سياساتها حسب الظروف والمجتمعات تستجيب دائما لهذا التكيف وتبدأ الأسر بوضع استراتيجيات بديلة مع كل تحول جديد؟

بالنسبة لي اعتقد أن الجامعات السعودية بعد هذا التوسع الهائل الذي حدث خلال السنوات القليلة الماضية لن تستطيع في المستقبل القريب أن تستوعب اعداد الطلاب والطالبات الذي يتزايد كل عام، فكيف سيكون الحل في السنوات القادمة؟ فهل سنستمر في التوسع وهل سوق العمل بشكله وبنيته الرخوة الحالية يدعم مثل هذا التوسع؟

هذه الأسئلة "البنيوية" التي تتناول ظاهرة تتجاذبها الكثير من المؤثرات وتؤثر في كثير من الظواهر التنموية والاجتماعية الاخرى في أي بلد تحتاج إلى حلول عملية وعاجلة لا مسكنات تنمو تحتها ومعها الامراض وتستفحل ليستحيل علاجها بعد ذلك.

سوف استعرض الوضع القائم بشكل سريع، وسوف اتحدث بشكل خاص عن الظواهر الجديدة التي بدأنا نراها هذا العام على وجه الخصوص، ففي السابق كنا ننتقد اختباري القدرات والتحصيلي، وكنا نرى أن هذين الاختبارين يؤديان إلى تراجع اعداد الطلاب الذين يستحقون الدخول للجامعة كما أننا انتقدنا السنة التحضرية ورأينا أنها مجرد سنة تنهك الطالب ولا تعلمه الكثير وتهدر المال العام وتبدد موازنة التعليم دون طائل.

هذا العام ومع وجود الاختبارات ارتفعت نسب القبول بشكل مدهش ولافت للنظر حتى إن النسب الموزونة التي تقارب التسعين بالمئة لم تعد تضمن مقعدا في الجامعة وهذا مؤشر ينبئ بمخاطر عديدة وإن كان يبين أن هناك تنافسا كبيرا بين الطلاب ويفترض أن ينعكس هذا على مستوى التعليم وهذه مسألة سأعود لها لاحقا.

هذا الظاهرة تقول لنا صراحة إن الكثير من طلابنا وطالباتنا حتى لو اجتهدوا فلن يجدوا لهم مقاعد في الجامعة في المستقبل القريب وهذا يتطلب تغيير قواعد ومعايير القبول مرة أخرى وربطها بهوايات وجوانب ابداعية لدى المتقدم أو أن يتطور نوع من المشاركة بين الاسرة والحكومة في تحمل تكاليف التعليم.

وأنا هنا لا أنادي بالتوسع في التعليم الأهلي، لأنه بحق مزر بصورته الحالية، فدكاكين التعليم الأهلي التي يطلق عليها جامعات (إلا من رحم ربي) هي عبارة عن "ملهاة" للاسر ومحاولة "تخدير" فلا هي جديرة بالتعليم ولا هي جزء من الحل المستقبلي، لكنها تشكل مسكنات مرحلية شجعتها وزارة التعليم العالي في مرحلة كانت تمر فيها الوزارة بأزمة قبول وعدم توفر مقاعد دراسية لكن سينقلب السحر على الساحر فهذه الجامعات معول لتخريب التعليم والحط من مستواه، وقد سمعت أحدهم مرة يخاطب اعضاء هيئة التدريس في احدى الجامعات بقوله "هذه جامعتي ولي الحق أن أعمل ما اريد"، وهو رجل غير اكاديمي ويرأس مجلس الامناء ويداوم بشكل يومي في الجامعة وكأنها مكتبه أو دكانه الخاص. الحلول المسكنة ستزيد من حجم المشكلة والقبول ليس بحاجة إلى توسع افقي بل توسع رأسي يركز على الجودة والتنافس الحقيقي الذي يساهم في بناء الرؤية التي تطمح لها المملكة.

في أكثر دول العالم لا يتعدى من يلتحق من خريجي الثانوية بالجامعة الـ 40% لكن لدينا لا اعلم النسبة على وجه التحديد لكني اتوقع أنها تتعدى الـ 80% وهذه نسبة عالية فهل نحن نبحث عن الجودة أم عن العدد وهل لدينا عمل لهؤلاء الخريجين يناسب مؤهلاتهم أم أن هناك خللا كبيرا في سوق العمل سينعكس على زيادة البطالة الجامعية في المستقبل؟

وبالطبع أتمنى من القارئ أن يكون متفهما، فكلنا لديه أبناء وكلنا يتمنى أن يتعلم أبناؤنا، وهنا يمكن أن أعود لمسألة الافتعال التي بدأت بها هذا المقال، لأن ثقافة العمل والتوظيف وعدم وجود بدائل واضحة ومقننة وفشل كليات التقنية في اقناع أسواق العمل بخريجها، كلها صنعت هذا التهافت الغريب على الدخول للجامعة وهذا أدى إلى وجود فجوة مهنية خطيرة وجعلت رصيدنا المهني مكشوفا في العديد من المهن المهمة والحساسة التي يجب أن يشغلها مواطنون، لكن لا يوجد من لديه الكفاءة والرغبة لشغل هذه المهن.

في اعتقادي أن الفرصة مواتية في الوقت الراهن لرفع مستوى التعليم مع تصاعد التنافس بين الطلاب والطالبات لشغل مقاعد في الجامعة من خلال التركيز على تخصصات نوعية تتطلب مستوى معرفيا وابداعيا عاليا لدى الطلاب وتصب مباشرة في تنمية الوطن، وهنا يجب أن أؤكد على أهمية دمج السنة التحضيرية مع الثانوية العامة بحيث تكون هي السنة الرابعة في الثانوية وتقليل عدد سنوات الاعدادي إلى سنتين.

هذه مجرد فكرة لكنها مجربة في دولة مثل اميركا، وطالما أننا دمجنا التعليم العام والتعليم العالي في وزارة واحدة فيجب أن يكون لهذا الدمج نتائج واضحة وفي اعتقادي أن اهم نتيجة يمكن أن نحصل عليها هي تطوير التعليم الثانوي بحيث يكون فعلا هو حلقة الوصل مع الجامعة، فتعليمنا الثانوي ضعيف وتعليمنا الجامعي لا يرقى حتى للتعليم الثانوي والحل هو إحداث نقلة جوهرية في هاتين المرحلتين لأنهما تؤسسان لتنمية الوطن وحفظ مستقبله.

وبالطبع ستظل مشكلة القبول غصة في حلق كل أسرة، وهذا أمر طبيعي لكني أتمنى أن تحول الاسرة السعودية العوائق التي تواجهها إلى فرص، فقد جربت في السابق أن تحول الكثير من الفرص التي أتيحت لها إلى عوائق.

يفترض أن تبدأ الأسرة في أن تخطط لأبنائها في وقت مبكر وأن تسعى بشكل ممنهج إلى تعليم ابنائها بحيث يكون التعليم هو محور تخطيطهم المستقبلي، وسواء شئنا أم أبينا فإن قدرة الدولة على تحمل التعليم المجاني لن تدوم طويلا ويجب أن نكون مستعدين من الآن بدلا من أن نتفاجأ بالامر قريباً.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.