الأثرياء البخلاء!
نشرت صحيفة (اليوم) كاريكاتير حول الأثرياء في مجتمعنا والمفارقة بين إسهامهم في التنمية خارجيًا وداخليًا. ورسمتُ فيه شخصية لثري قام ببناء ناطحة سحاب في عاصمة خارج بلاده، بينما اكتفى ببناء عمارة قبيحة التصميم في وطنه. وتلقيت ردود أفعال وتعليقات تستحق أن تكون موضوعا للحوار في تصوّري.
هناك من يقول إن البلديات هي السبب في كل هذا القبح، بسبب اشتراطاتها الشديدة التعقيد، والمحبطة لأي مستثمر راغب وجاد في المشاركة بالتطوير التنموي. ويرد منتسب للبلديات، فيما يبدو، ويقول: الأنظمة تغيرت، حتى المدن الوسطى والصغرى أصبح بإمكان المستثمرين البناء فيها بارتفاع 12 طابقا، فما الذي يمنعهم؟
الحقيقة هي أنها مسؤولية مشتركة، فلا البلديات قامت بواجبها بدءًا من إلزام المستثمرين بتوفير مواقف أرضية (أسفل البناية التجارية) بدلا من الإسهام في انسداد أهم شوارعنا عبر تراكم السيارات أمام المطاعم والتموينات، ووصولًا إلى إلزامية بناء تصاميم تثري البيئة البصرية وتخلق مساحة للتنافس عبر تنويع الأيقونات المدنية. ومن ناحية المستثمرين، كان هناك بخل شديد في الاستفادة من الظروف المتاحة مهما ضعفت، فلا هم قاموا بتشييد بنايات متوسطة الارتفاع تتسم بجماليات مشهودة، ولا هم كفونا شر القبح الملموس بالتكرار والرتابة التي نعيشها اليوم. وهنا أعجبني تعليق لمتابع مهتم بالقضية يقول: «تحولت مدننا لصناديق مكدسة بمربعات»، وهذا كلام سليم وفيه اختصار لواقع لا يليق بنا ولا يليق بقيمة المملكة الاقتصادية. والسؤال الذي لم يجد إجابة حتى اليوم هو: لماذا تُركت مدننا الكبرى دون أبراج ودون ناطحات سحاب كل هذا الزمن؟
هل أثرياؤنا بخلاء فعلا حتى في أداء واجبهم الوطني؟ خصوصا أن هناك نماذج تاريخية من الأثرياء الذين عرفوا بالبخل الشديد وانتقائيتهم في توظيف أموالهم ومحدودية المشاركة بالتنمية الاجتماعية في أوطانهم، ومنهم:
إمبراطور الصناعة والملياردير الأمريكي جون بول قيتي (كان يلزم زواره الراغبين في إجراء اتصالات باستخدام هاتف عملة في قصره، وكان يشتري عقاراته الفاخرة باسم الشركة لكي يساهم جميع الشركاء في دفع الرسوم)، البليونيرة الأمريكية هيتي غرين (عاشت تتنقل بين البيوت المستأجرة وكانت تكتفي بفستان أسود وحيد)، بارونة فنادق نيويورك ليونا هيمسلي (كانت تسمى ملكة البخل، ولا تدفع حتى ضرائب الحكومة، والعجيب أنها تركت في وصيتها عام 2007م 12 مليون دولار لكلبها)، ملياردير النفط الأمريكي هارولدسن لافييت (كان يحلق لنفسه، يقود سيارة متهالكة، ويحرص على إيقافها في المواقف المجانية البعيدة عن مكتبه ليتفادى دفع نصف دولار).
في المقابل، هناك نماذج عالمية من الأثرياء الذين اتهموا بالبخل، لكن نظر إليهم المجتمع باحترام لمشاركتهم الفاعلة في صناعة مشاريع تساهم في التنمية الاجتماعية وتنمية الاقتصاد الوطني ومنهم: ساحر أوماها الملياردير الأمريكي وارن بوفت (يسكن في بيت بسيط اشتراه قبل أكثر من 50 عاما ويقود سيارة قديمة من طراز كاديلاك)، الملياردير الأمريكي سام والتن، مؤسس سلسلة متاجر «والمارت» الشهيرة ومتاجر سامز كلوب (كان يتسم بالتواضع في تفاصيل حياته اليومية وكان يقود شاحنة فورد 1979، وهي معروضة حاليا في متحف «والمارت»)، ومن أشهر ما قال حول سبب قيادته لهذه الشاحنة: «ما السيارة التي يفترص أن أٌقودها وأنا أصطحب كلابي في جولة، رولز رويس مثلا؟»
*نقلاً عن صحيفة "اليوم"