.
.
.
.

الاحتفاء بـ"الجهل"!

حسن المصطفى

نشر في: آخر تحديث:

دائما ما تقرن المعرفة بالتعاسة والألم، وكأن الإنسان كلما ازداد علما، كان أقل فرحا في حياته.

هل هي جناية أبي الطيب المتنبي، الذي جرت الركبان ببيت شعره:

«ذو العَقلِ يَشقَى في النّعيمِ بعَقْلِهِ، وَأخو الجَهالَةِ في الشّقاوَةِ يَنعَمُ»!.

أم هو الطبع الإنساني المجبول على التشكي والنواح، وعدم إبداء الفرح والنعمة والجاه، خوفا من الحسد والعين، أو التزام بتربية عائلية صارمة فهمت الزهد بشكل خاطئ؟

وقد تكون في إحدى تجلياتها انعكاسا لمنظومة اجتماعية تتداخل فيها عوامل المنافسة والغيرة والادعاء والصراع بين القوى والمفاهيم المختلفة.

من هنا تجد كثيرين عندما تتحدث معهم في قضايا علمية وفلسفية، يجيبونك: «ماذا نريد بصداع الرأس»؟ والبعض منهم يزيد بلهجة مزدرية: «الثقافة ما توكل عيش ولا تجيب فلوس».

هذا الارتباط بين العلم من جهة، والصداع والفقر من جهة أخرى، ليس مرده أن العلة موجودة في ذات العلم، أو هي ملازمة له، أو أنها إحدى نتائجه، وإنما جميع هذه المقولات النمطية إنما تفصح عن بيئة مجتمعية تحتفي بـ»الجهل» الذي ينتجه أفراد، تقوم شبكة مصالحهم على تجهيل الناس وتحويلهم إلى مجرد أتباع طيعين، لا يناقشون، وليست لديهم القدرة على إعمال عقولهم التي عطلوها لسنوات عن التأمل والبحث والمثابرة.

الكسل والركون إلى الدعة والراحة، والاعتماد على الخطاب الشفاهي، كلها أمور يستأنس بها عامة الناس، وهم لذلك يرون أن العلم فيه مشقة وتعب، ولذا سيجعلهم يقومون بجهد إضافي لا يريدون القيام به. مستسلمين إلى «الكسل المريض» الذي لن ينتج إلا ذواتا مشوهة وضعيفة وتابعة لا تملك استقلاليتها.

العلم بالتأكيد يحتاج إلى جلد وصبر، ولن يستطيع الإنسان أن يحصل على شيء منه ما لم يعطه الكثير من ذاته ووقته واهتمامه، لكنه في الوقت نفسه، سيكون نصيبه الكثير من المعرفة والحكمة، التي تمنح قوة للنفس، وتجعل العقل متساميا على ما حوله من عقول ضحلة وميتة.

بل، إن العلم يمنح القوة والنفوذ، ويقود صاحبه إلى مكانة مرموقة لا يصلها كثيرون، حتى وإن كان هذا العالم أو الفيلسوف لا يمتلك من المادة شيئا.

إنها لكذبة كبيرة أخرى، من أن العلم لا يمنح الإنسان المال. بل إن العكس هو الصحيح، حيث إن العلم يفتح أمام الفرد أبوابا وفرصا مهنية لا تكون متاحة أمام قليلي الموهبة، أو من تنعدم لديهم المعارف العلمية.

الخلل لا يكمن في العلم، بل في شبكة المصالح المجتمعية والاقتصادية في المجتمعات البدائية والمتخلفة، والتي تجعل الأولوية للقبيلة والمذهب والمناطقية، وتغلب الوساطات الفردية والمعارف، وتقدم أناسا غير مؤهلين على حساب أفراد متعلمين ومتدربين، لكنهم لا يملكون نفوذا أو قرابة أو يختلفون في القبيلة أو الطائفة، وهو السلوك الذي تجرمه الأنظمة الحديثة، وتعتبره «تمييزا» غير قانوني.

العلم بريء من كل تلك التهم التي يلصقها به البليدون والكسالى. فهو أيضا ضحية هذا التخلف المجتمعي، الذي عوض أن يستفيد من منجزات العلم والحداثة والتقنية، في بناء منظومة مدنية تقوم على احترام الإنسان وإعلاء شأنه وتسعى لرفاهيته وتعزيز حقوقه، عوض ذلك، تم استخدام قيم الحداثة ذاتها في نقضها، وفي ترسيخ قيم تخلف مضاد، وصناعة «متعالمين» جدد، لا يجيدون فهم عبارة في ألفية ابن مالك، أو زرادشت نيتشه!، وهو ما أنتج مشكلة أكثر تعقيدا من سابقتها، ساعدت على تعميم الجهل وانتشاره، وزادت من سطوته حتى بين النخب والعامة على حد سواء.

*نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.