.
.
.
.

هكذا كان الملك عبد العزيز

محمد آل الشيخ

نشر في: آخر تحديث:

من قرأ سيرة المؤسس الملك عبدالعزيز -رحمه الله- بتمعن وعمق سيكتشف بوضوح أنه بعد انتهائه من ملحمة الوحدة العظيمة، اتجه إلى الانفتاح ومواكبة التحضر، والتماهي مع العصر في زمنه؛ فقد أدرك بذكائه وفطنته وبُعد نظره وتجاربه على الأرض، أن لا بقاء، ولا استمرار لهذا الكيان الذي انتزعه من كنف المستحيل، وجعله واقعاً على الأرض، إلا أن يكون منفتحاً على ثقافات العالم ومنجزات الشعوب.

واجه أول ما واجه بعيد ملحمة الوحدة، رفض (مطاوعة) أهل نجد، الذين كانوا يمثلون في عهده الطبقة المتعلمة والمثقفة، وبالتالي الطبقة ذات النفوذ الاجتماعي، أن ينقب (الكفار) عن النفط، وربطوا ذلك -كعادتهم- بقضايا الإيمان، وموالاة الكفار. غير أنه لم يأبه لرفضهم، ولم يأخذ اعتراضهم بجد، لأنه كان يعلم، وهو العالم بهم، أنه لو أطاعهم وجاملهم لألقوا به وبالبلاد إلى النهاية الحتمية؛ ولأنه بدهائه وحكمته -أيضاً- كان على يقين أنهم إذا ذاقوا الرفاه، ونعموا بالأمن والأمان، سرعان ما سوف يتراجعون وإن لم يعترفوا، وهذا ما حصل فيما بعد، وانضموا للمسير مع ركبه في النهاية، وأصبح النفط -كما يرددون الآن- من كنوز جوف الأرض التي أنعم الله بها على الإمام، ونسوا أنهم كانوا يوماً ما يعترضون بشدة على من كانوا ينقبون عليه من (الكفار).

(الجهاز البرقي)، الذي صار أحفادهم لا يملون ولا يكلون من استعماله حتى اليوم، معترضين تارة ومؤيدين تارة، كانوا في يوم ما يعدونه (رجس من عمل الشيطان)، وهكذا دواليك مع بقية المنتجات الحضارية الأخرى. بل كان هناك -وعاصرت بعضهم- من كان يعتبر الكولا والمشروبات الغازية حراماً لأن (طيشها) أمر يجهلونه، وطبيعي أن البدائيين الجهلة يرفضون ما يجهلون، ويشككون في إباحته.

الملك عبدالعزيز لم يوحد هذه البلاد شبه القارة، مُتعددة الأعراق والمذاهب والقبائل، ويصهرهم في بوتقة وطن واحد، ولأول مرة في التاريخ، في دولة مركزية، لو لم يكن يملك شخصية كاريزماتية فذة، آسرة، وقيادية؛ ويعرف متى يسامح ويحلم ومتى يعاقب ويحزم. الأمر الآخر والهام أنه بحكم صفاته وجبلته وفطرته التي فطرها الله عليها، يصر على أن يبقى في موقع القيادة، متقدماً على مجتمعه، ليقودهم ولا يقودونه؛ فإذا اقتنع بأمر ورأى فيه مصلحة للوطن وبقاء الوطن لا ينتظر حتى يقتنعون به، وتتسع آفاقهم له، إنما كان يفرضه عليهم فرضاً، حتى وإن اضطر إلى استخدام قوة السلاح؛ وهناك تجارب عديدة تثبت ما أقول.

وأنا على يقين أن أكثر من يشبه أبناء الملك عبدالعزيز هو الملك سلمان، هذا ما تكرر على مسمعي مرات ومرات من كثير ممن عاصروا الملك عبدالعزيز، لذلك فإن توجه الملك سلمان إلى كثير من المسائل الانفتاحية بحزم وصرامة، وتقويم بعض الأمور، والتعامل مع المتكلسين وكذلك الانتهازيين، بحزم وشدة لا تعرف التهاون، كان يستلهم تلك الصفات من والده، وقد تعلمها وشب عليها من مدرسته.

وختاما لك أن تتصور لو أن المؤسس -رحمه الله- أطاع المتكلسين، ومنع التنقيب عن النفط، ولم يسمح بالبرقية لأنها ضرب من ضروب السحر الحرام، ومنع الدراجة الهوائية لأنها كما كانوا يصفونها (حصان إبليس) هل سيبقى مملكة عربية سعودية؟

*نقلاً عن "الجزيرة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.