.
.
.
.

الدولة والتدين

يحيى الأمير

نشر في: آخر تحديث:

بينما توجد لدينا وزارة للحج وللدعوة والإرشاد وهيئات للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهيئة للزكاة، بالمقابل لا توجد مثلا وزارة للصلاة ولا هيئة للصيام!
لأن مثل هذه الشعائر: الصلاة والصيام وغيرها، شعائر فردية لا يحتاج القيام بها إلى تفاعل بين الناس أو تأثير متبادل أو سلطة لطرف على حساب طرف، بينما شعائر كالحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة والإرشاد تمثل شعائر عامة تقوم على التفاعل الاجتماعي وبالتالي تحتاج إلى سلطة تقوم بإدارتها ومنع أن ينتزع أحد تلك السلطة وأن يقوم بها لأن كل أشكال السلطات العامة هي حق أصيل للدولة وللدولة فقط.
ولأننا في دولة إسلامية سعت منذ تأسيسها إلى بناء نموذج معتدل وسطي قادر على المواءمة بين قيمه الإسلامية وبين متطلبات وركائز بناء الدولة فقد تمت حماية الشعائر العامة من أن تكون مدخلا لانشقاق أو خلاف اجتماعي فتولت الدولة إدارتها، وفي الوقت ذاته فلا شأن لها بالشعائر الفردية والعبادات والقناعات الدينية الخاصة التي لا تظل حدود تأثيرها خاصة بالفرد.
ومن المؤكد أن مستوى الأداء وحجم التنظيمات والقوانين في تلك الوزارات التي تتولى إدارة الشعائر الدينية العامة ليس ثابتا بل يتطور حسب المراحل وحسب التحولات الاجتماعية، ويشهد باستمرار كثيرا من التعديل والتحديث. ولطالما كانت تلك التعديلات والعمليات التطويرية حماية لتلك المؤسسات ومنعا لها من أن تصطدم بالمجتمع أو يقوم بعض أفرادها بتعظيم سلطاتهم خارج التنظيمات والقوانين.
لا يمكن مثلا ترك أمر المنابر والوعظ والإرشاد عاما ومنفلتا، لأنها تعتمد على التأثير في حياة المجتمع وهذا التأثير لا يمكن تركه لأهواء وتوجهات من يريدون ذلك، وحين كانت بعض المنابر تتيح شيئا من ذلك شهدنا كثيرا من المواعظ والقصص والخطب التحريضية المنفلتة التي لا ضابط لها، والتي لو استمرت كانت ستؤدي إلى شقاق وخلاف اجتماعي كبيرين.
في العام ٢٠١٢ شهدت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واحدا من أهم القرارات التي مثلت بداية لحماية هذا الجهاز وضبطه تمثل في قرار منع المتعاونين من العمل في هذا الجهاز والاقتصار على موظفيه الرسميين. لقد كانت فكرة المتعاونين في جهاز مثل الهيئة شكلا من أشكال الانحراف التنظيمي وتشويشا على الفكرة المركزية لهذا الجهاز الذي تدير من خلاله الدولة شعيرة دينية ذات بعد اجتماعي تفاعلي بين الناس.
هذا الواقع تكرر وبشكل تنظيمي أكبر في القرار الصادر مؤخراً القاضي بتنظيم عمل الهيئة.
شهدت بعض تلك الأجهزة انحرافات يسيرة في بعض مهامها ودخل بعضها في اشتباك اجتماعي، يعود ذلك إلى أفراد داخل تلك الأجهزة رأوا فيها مدخلا لفرض سلطتهم هم وأفكارهم هم حتى وإن خالفت الدولة وصنعت توترا اجتماعيا، ثم تتحرك الدولة فورا لإعادة هذا الجهاز إلى وضعه الطبيعي مع مراجعة مستمرة.
إذن القضية لا تكمن في أن الدولة تدير علاقة الأفراد بالدِّين ولا تراقب مستويات التدين لديهم، فهذا ليس شأنها أصلا، إنها تدير تلك الشعائر الدينية الجليلة التي يقتضي القيام بها شكلا جماعيا وتفاعلا بين شرائح المجتمع. ولكم أن تتخيلوا لو أن القيام بهذه الشعائر بشكلها العام متاح ومفتوح للجميع ما الذي كان سيحدث من توتر وشقاق اجتماعي.
إننا نسعى لترسيخ فكرة محورية ومهمة للمستقبل وهي أننا لسنا دولة دينية بالمفهوم الثيوقراطي، ولكننا دولة إسلامية بالمفهوم الصائب الحر القائم على تعزيز قيم الاعتدال والوسطية ضمن دولة المواطنة.

*نقلاً عن "عكاظ"


تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.