.
.
.
.

غرف النور والظلام

محمد اليامي

نشر في: آخر تحديث:

أول من أمس (السبت) انتهت مهلة سعودة جميع محال الهاتف الجوال ومستلزماته، وبدأت وزارات الداخلية، والعمل والتنمية الاجتماعية، والشؤون البلدية والقروية، والتجارة والاستثمار، إضافة إلى هيئة الاتصالات، التفتيش الميداني للتأكد من تطبيق القرار. سيخرج من هذه السوق إذا نجح مشروع التوطين آلاف العمال والموظفين غير السعوديين، بعضهم ربما اكتفى وسيعود إلى وطنه، وبعضهم الغالب سيبقى، وجزء من الباقين سيتحولون إلى كفلاء أو مهن أخرى، والبقية ستتوزع بين الغرف الأمامية والخلفية! الغرف الأمامية مصطلح سأستخدمه للغرف الصغيرة الضيقة التي يضعها بعض المواطنين والمقيمين على حد سواء أمام منازلهم، ويخصصونها لإقامة ومعيشة السائق الخاص، فهذه المهنة لا تنقرض في السعودية طالما الأقدام الناعمة المحاطة بأوهام «الملكات» وهواجس «الذئاب» لا تلامس دواسة البنزين.

نعم، كلما خرج مجموعة من العمال من قطاع بسبب ضعف الأعمال، كالمقاولات أو السعودة، اتجهوا إلى عجلة القيادة، تنخفض أجورهم في البداية لكنهم مع الوقت وبإدراك مفاتيح اللعبة والضغط على السيدات العاملات من ذوات الدخل الجيد يرفعون هذه الأجور، وفي أحيان أخرى يستخدمون سيارات من يعملون لديهم للعمل لحسابهم! تحدثت في دردشات ودية مع أكثر من سائق أو مشروع سائق، فوجدت أن هذه الغرف الأمامية سوق ليست صغيرة أو بسيطة، وأن كثيراً من الأسر السعودية والمقيمة تتعرض أحياناً للابتزاز الناعم طويل الأجل، إما لرفع الأجور أو غض النظر عن عداد الكيلومترات في سيارتهم! عموماً تبقى هذه الغرف - إذا اتفق الطرفان - عملاً في النور ولا يعيبه شيء، لأن العيب الأساس في تفكير وثقافة جزء من المجتمع. البقية من عمالة قطاع الاتصالات ستتجه إلى الغرف الخلفية في الظلام، لتستمر في ممارسة عملها السابق، خصوصاً في قطاع الصيانة، وهنا يكمن التحدي الحقيقي أمام الوزارات أعلاه في النجاح، وهو تحدٍ لن تكسبه من دون تعاون الناس معها.

سيقوم بعض الكفلاء المتسترين على أجانب تستراً غير نظامي بتغيير النشاط إلى أنشطة قريبة نسبياً من الاتصالات ومستلزماتها، كالحاسب الآلي والألعاب الالكترونية، أو الخدعة الأكثر سهولة، محال ما تسمى بـ«إلكترونيات وكماليات»، حيث تجد بضائع مضحكة، مثل ساعات التنبيه والمصابيح وغيرها، وسيتم استقبال الأجهزة وصيانتها من العملاء القدامى، أو حتى من السعوديين الذين سيتكاسل بعضهم عن دورات التعلم وتعب الممارسة، وسيرضون بوظيفة «الواجهة الأمامية»، وهم - في رأيي - السوسة الأولى التي ستنخر في هذا المشروع. لن تستطيع الوزارات النجاح إلا بتعاون الناس، وبقناعتهم بأن هذه مرحلة مختلفة اقتصادياً وسياسياً، وأنهم يجب ألا يتهامسوا بفشل وزارة العمل في سعودة قطاعات أخرى في السابق، بل أن يتفاءلوا بأن هذه المرة بداية حقيقية للتصحيح، وأن آلاف الشباب من الجنسين بحاجة ماسة إلى هذا العمل المربح والملائم لطبيعة عصر التقنية والاتصالات. أيضاً أعضاء فرق التفتيش من هذه الوزارات، خصوصاً في المدن الصغيرة والقرى، يجب أن يعرفوا أنه لا حياء من الجار أو ابن القبيلة إذا كان محله مخالفاً للنظام، لأن الهدف هو تجميع قبيلة من الشابات والشبان المنتجين تنضم إلى قبائل قوى العمل المنتظرة في قطاعات أخرى.

*نقلاً عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.