.
.
.
.

الدين وقود الحروب

علي سعد الموسى

نشر في: آخر تحديث:

على طاولة حوار ثقافي هادئ يجمع بالتقريب كل الأطياف والمدارس تم طرح السؤال: ما هو المحرك الأساسي لويلات وكوارث حروب العصر الحديث؟ قلت لهم فورا، بل العقود الثلاثة الأخيرة حتى نتجنب التعميم بإدخال عصر تاريخي حديث فيما لا علاقة له به. وفي الجواب على السؤال فلن تجد أكثر من الدين وقودا للحروب المعاصرة، وما لم يتدخل عقلاء الأديان من كل مكان وفي أي مكان فإن حتمية هذا الصراع وتسارع وقوده ينبئان بحرب كونية جديدة وشاملة. من طبائع الحروب تحت وقائع معامل (الدين)، ومع التاريخ، أنها لا تشبه إلا ثورات البراكين، تشتعل فترة وتهدأ في الأخرى، تاركة أسباب الحروب المتبقية لوقود الاقتصاد والسياسة وبقية العوامل الأخرى. قاد هتلر وتشرتشل بلديهما، ألمانيا وبريطانيا، إلى كوارث الحرب العالمية الثانية رغم تناغم العرق (الأنجلوساكسوني) لشعوب البلدين ورغم المذهبية (البروتستانتية) الطاغية لخريطة شمال غرب أوروبا. ومثلهما تواجه شارل ديجول وموسوليني، رغم تناغم المذهب (الكاثوليكي) الخالص والانتماء العرقي (اللاتيني) لشعوب فرنسا وإيطاليا. لكنها، ومرة أخرى، طبيعة البركان، ويبرهن التاريخ أن أشد الحروب طولا واستدامة وتوليدا للكراهية هي تلك التي تقوم على معامل الدين وتفرقة المذهب. وبعد 5 عقود وأكثر على النهاية ما زال في المخيال الأسطوري لدينا عدوان الحروب الصليبية على الشرق، وفي المقابل لم يستطع المثقف والعوام في أوروبا التخلص من عقدة الغزو الإسلامي لأيبريا الأندلس ومنطقة البلقان وحروبها الدينية في قلب القارة.

ما زلنا بالمثال، وفي الدائرة الأضيق لحروب الأديان والمذاهب، نعيش على إرث فتنة قتل الحسين بعد 1400 سنة، وما زلنا حتى اللحظة في خندق الاصطفاف لبني هاشم وبني أمية. فقد قسمت هذه الفتنة هذا الدين إلى (روافض ونواصب) وإلى الأبد، رغم أن اختراع المصطلحين ولد بعد القصة بأكثر من 300 سنة. وكل الحروب التي لا تقوم على أساس ديني يمكن نسيانها وتجاوزها مع الزمن ومحوها من ذاكرة الأمم، إما بالاستقلال العرقي أو المعاهدات السياسية أو مجتمعية التكامل الاقتصادي.

دخلت الحروب الأهلية الأميركية إلى مجرد لوحات في متاحف (المتروبوليتان) للمدن الأميركية، مثلما تحول غرب أوروبا من (مسرح الحربين العالميتين) إلى فضاء مفتوح واحد للسلم والتعايش. ولكن خذ على النقيض: من هو الذي يستطيع أن يمسح إرث ثأرات وليدة جديدة تتخذ من الدين وقودا كالفكرة (الحوثية) التي لم يكن أحد يسمع بها حتى قبل سنوات سبع؟ نحن كتبنا حول مثل تلك الفكرة الخديج الهجين ما ستظنه الأجيال القادمة نقدا لفكرة عمرها 5 آلاف سنة. من هو الذي يظن أن أدبيات التقابلية السنية الشيعية وهذا الإرث الهائل من توليد الكراهية الذي ازدهرت تجارته في العقود الأخيرة يمكن إزالتها من رفوف المكتبة أو شرايين المخ الميكروسكوبية؟

*نقلاً عن "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.