.
.
.
.

سارة الرشيدان

نشر في: آخر تحديث:

أريد أن أدلف للحكاية حتى أخبركم أن العنوان يشير للدبق (بكسر الدال وسكون الباء) وهو لعبة طفولية كانت مفضلة عند البنات، هي عبارة عن جمع كل شيء صغير ملون مهمل، كالأزرار والخرز واللعب به، واللعبة تعتمد على المكسب والخسارة تبعا لمهارة اللاعبات!
بطلة الحكاية كانت (عيارتها) التي طغت على اسمها هي هذه الكلمة حتى إنها تجيب من يسألها عن اسمها قائلة: أنا دبق!

في ذلك اليوم السابق للعيد سمعت حوارا بين أمها التي كانت تضفر شعرها وإحدى جاراتها التي جاءت لتشتكي من أخيها الشاب الذي يعترض على وضعها السحاب في ثوب العيد حتى لا تتشبه بالكافرات، وكيف اضطرت والدته وأخواته إلى إقناعه بوضعه في الجنب تجنبا للتشبه!

خرجت دبق إلى الشارع تحمل مكاسبها الملونة القليلة التي تقضي يومها في البحث عنها في المنزل أو في تراب الشوارع المجاورة لمنزلها، تجدها بصعوبة وتخسرها بسهولة، ربما لأنها ببساطة ليست بمهارة بقية اللاعبات من البنات، وربما أعوزها زمن تدربن فيه كانت حبيسته خوفا عليها في طفولة ما قبل المدرسة.. بدأت اللعب مع صديقتها المقربة التي لم تدرك أنها تحبها لدرجة أن تتركها تفوز عليها، أثناء حماس اللعب سألت صديقتها عن معني كون السحاب تشبه لأن كلام جارتها خوفها، فمريول المدرسة فيه سحاب! لم تبال الصديقة بالإجابة واكتفت بهز كتفيها.
دبق يا دبق تعالي.. سمعت نداء أمها لها فتركت لعبتها وأسرعت للمنزل، بينما بقيت صديقتها تحرس الشارع حتى ما بعد المغيب. كبرت دبق وبدأ نهار يسبق العيد بأيام، والبنات كالأولاد يسكن الشوارع ويذرعنها جيئة وذهابا ويتناوبن على مختلف الألعاب.. كانت كغيرها من البنات تتحرك في الشارع بكل انطلاق وتثرثر وتتخاصم ثم تتصالح مع صديقات الجيرة والدراسة. مرت سنوات قليلة كبرت دبق وصغرت الفرحة بالعيد لكن الأسئلة التي تواجهها بدأت مقلقة، نظر ابن عمها لصورتها التي التقطها والدها عند المصور عندما عرضتها عليه، فنهرها قائلا: "يكفي كبرتي لا تصورين وأصلا لا تطلعين الشارع تغطي عن الرجال!"، لم تستطع الإجابة فقد أسكتها النهر والأمر. ورغم أن فساتين البنات أصبحت أكثر بهاء وتلونا إلا أنها ذلك العام اختارت لونا رماديا شاحبا مختلطا بلا ملامح وبللته بدموعها وهي تجهل السبب، لكن تزاحم الأفكار وتزاحم الأسئلة يربكها! كانت وصديقتها في البيت تمارسان اللعب بعرائس البنات المصنوعة يدويا والملفوفة على أعواد خشبية ربطت كهيئة الصليب ولفت الأقمشة حولها.. أخبرتها صديقتها المقربة أن والدها تجادل مع أمها التي طلبته أن تخيط أو تشتري تنورة فخرج رافضا مغاضبا قائلا: ما بقي إلا هي!

وأردفت: أبي يرى التنورة مخالفة لملابس المسلمات.. ردت دبق ولكن جميع معلماتنا يلبسن تنورة.
فعلقت الصديقة: أن أبي سأل أمي مستنكرا: "إذا راحوا الناس للنار تروحين مثلهم؟!"
يا دبق معلماتنا في النار يلبسن كلهن تنورة! تساءلت بفزع: حتى أبلا مها؟!

لم يفارق ذهنها ذلك اليوم أغنية كن يهزجن بها أمام غرفة المعلمات ويرددن "أبلا مها يا عيوني ياللي لابسة الليموني لابسة الساعة اللماعة تسوى كل الجماعة!"، ثم يتفرقن مسرعات معلنات حب هذه المعلمة دون أن يدركن أنهن كن يمارسن أول عملية انتخاب تلقائي بحب!

كبرت الصغيرة وتلاشت الأسئلة وبدأت أسئلة أخرى ومواصفات لكل الأشياء المعتادة فبدأ تهكم الأمهات اللواتي يرتدين عباءة الحرير التي تغطي الجزء الأعلى من الجسم، بعباءة جديدة عرفت في مدينة الرياض بالعباية الحساوية وهي اليوم ما تم شرعنتها على أنها دون غيرها هي الصواب!

وكبرت صديقتها التي أصبحت معلمة في إحدى القرى، وظلت لسنوات ترتدي ثوبا كاملا وسط أمنياتها وبقية المعلمات بالسماح لهن بلبس التنورة، ولم يكن هذا في وقت بعيد من اليوم، كان هذا قبل أقل من عشرين سنة بقليل، ذلك اليوم الذي صدر تعميم محافظ المنطقة الذي يسمح لهن بالتنورة في آخر أعوام القرن العشرين! بينما بدأت في المدن حرب البنطال ومواصفاته، وهو لباس لا غبار عليه في غير قطاع التعليم!.

تلاحقت السنوات وبدأت بعض النساء يمارسن خياراتهن المعلنة مصادمات وعي المجتمع أو يتوارين خلف الممكن والمتاح، وبقيت مسالمة، وإن كانت تخوض حرب استنزاف غير معلنة مع أفكارها التي لم تهرم، بل كانت تكبر كشجرة وتضيف حلقة متينة كل عام!

صدمتها شابة يوما بسؤال: ما بال الفقه اليوم لا يكاد يخرج عن قضايا المرأة المتعلقة بزينتها ويغفل عن حقوقها ومطالبها؟ احتفظت بالسؤال لتضيف خرزة أخرى لدبق السنوات الماضية!

كانت في حياتها أشبه بالروائي الذي يدون الأحداث ولا يتدخل ليحرك الأشخاص، بل يصغي لأبطاله ويتفهم احتياجاتهم ويصفق لهم دون أن يشعروا بوجوده!

اتسعت دهشتها والمرأة تدخل مجلس الشورى، وتقدم نفسها كمرشحة وتفوز في انتخابات حقيقية، وكانت في الأيام الأخيرة تقلب في وسم يطالب بإسقاط الولاية ويتغير كل يوم مضيفا رقما وتتصاعد الأرقام يوميا، ولم تجرؤ على السؤال عن الأرقام أو الدخول لها إلا أنها كانت تفرح لأن الشيوخ بدؤوا بتعريف الولاية والحديث عن حقوق المرأة.. نظرت بعين الذكرى لخرزاتها القديمة ووجدت أنها استعادت بريقها وأدركت أنها لم تعد تخسر مرة أخرى لأن هناك من يكسبن لها!

*نقلاً عن "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.