.
.
.
.

كيد النساء.. لماذا؟

ناصر الحزيمي

نشر في: آخر تحديث:

من المواضيع التي يحب بعض الرجال الحديث عنها هو موضوع كيد النساء.. والغريب أن هذا الموضوع هو أصلا من مواضيع الوعظ الذي تكثر فيه الأقاويل والكذب والأخبار التي يرويها القصاص والوعاظ، وغالبا هي غير موثوقة، وغير صحيحة كما هو معروف منذ القرن الثاني الهجري؛ فكثير من النصوص التي تروى في ذلك هي غالباً موضوعة على الرسول صلى الله عليه وسلم، ومخالفة لروح الدين الإسلامي وثوابته.. إلا أنها تجد هوى لدى بعض الرجال الذين يتبنون قيماً جاهلية قديمة ليست من الدين الإسلامي، إلا اننا قد نجد هذه الصورة في العصر الجاهلي. ولولا أن الرسول الأكرم كمصلح قد خبر العصر الجاهلي وفرق بين حسناته وسيئاته، ومن ثم كوّن رؤية أخلاقية بناءة تحث على الوسطية، والواقعية، وتصون مصالح الأمة لوجدنا في هذا العصر من ينظر للظلم ويمدحه مثلا. والغريب أن موضوع كيد النساء وما يدخل في معناه من اتهام للمرأة بأنها هي سبب كل مصيبة أصابت الرجل قد وضع له أحاديث، وحكايات تكرس هذه الرؤية التعميمية الظالمة لدور المرأة في مصائب الرجل وخيباته. مثلا لو قرأنا كتاب (ابتلاء الأخيار بالنساء الأشرار) لإسماعيل بن نصر السلاحي المعروف بابن القطعة - وهو رجل مغمور عاش في القرن العاشر تقريبا- والذي ألّف كتابا خاصا في معايب ومثالب النساء خصوصا لعلمنا ما تعنيه المرأة لبعض الرجال.

جاء في مقدمة الكتاب (.. وبعد فانك سألتني أيدك الله أن أنظم لك أبياتا في اعداد المعايب والمثالب في وصف النساء الغالبات لكل غالب..)

ثم قال في قصيدته التي وصف فيها النساء واتخذها متنا لكتابه المذكر يقول:

يا من تشد لفضله

والبر نائله الركائب

اسمع وصية ناصح

قد هذبته يد التجارب

واحرص بأنك لا تزال

لأمرهن إذا مراقب

لا تكنن إلى النساء

وعدهن من الأجانب

واضربن هن إذا جنين

جناية ضرب العقارب

واهجر فديتك ما استطعت

لهن هجرا كالمحارب

لا يعجبنك ما ترى منهن

وانظر في العواقب

يظهرن لي حسن الثناء

ولهن في غيري مآرب

كم شيبت أفعالهن

من النواصي والذوائب

فلهن في المكر الخفي

مناقب بين المناقب

...

من كيدهن تصيبك

البلوى وآفات المصائب

فحبائل الشيطان هن

له مطيعات الجوانب

وهكذا إلى آخر القصيدة التي قوامها أربعة وثمانون بيتا فيها تقريع ولوم للرجال بسبب اتباعهم لرأي النساء!.

بل تعدى الأمر ذلك إلى ذم الزواج عموما! وكأن الرسول لم يحث عليه ويرغب فيه!

ومن تأمل هذا الكتاب الذي يقع في ثلاث مئة وخمسة وخمسين صفحة من القطع المتوسط؛ فسيجد أن المؤلف رجل صوفي أخذ ثقافته العلمية من أفواه عوام القصاص، والوعاظ الذين لا يحتاطون في كلامهم، ولا يميزون بين الحديث الصحيح، والحديث الموضوع. بل انهم يميلون إلى كل مكذوب على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى الإسلام لأن هذه الأخبار المكذوبة تحقق أهم عنصر في الوعظ وهو عنصر الإدهاش لعوام الناس، ومحدودي العلم بل إن بعض القصاص قد قاموا بدور الحكواتية. وهذا ما يجذب العوام ويسليهم..

وقد تبنى مجموعة من المتصوفة عدم الزواج، أورد مجموعة منهم ابو حامد الغزالي قال: "وأما ما جاء في الترهيب عن النكاح: فقد قال صلى الله عليه وسلم "خير الناس بعد المائتين الخفيف الحاذ الذي لا أهل له ولا ولد" وقال صلى الله عليه وسلم "يأتي على الناس زمان يكون هلاك الرجل على يد زوجته وأبويه وولده يعيرونه بالفقر ويكلفونه مالا يطيق، فيدخل المداخل التي يذهب فيها دينه فيهلك" وفي الخبر "قلة العيال أحد اليسارين وكثرتهم أحد الفقرين" وسئل أبو سليمان الداراني عن النكاح فقال: الصبر عنهن خير من الصبر عليهن والصبر عليهن خير من الصبر على النار. وقال أيضاً: الوحيد يجد من حلاوة العمل وفراغ القلب ما لا يجد المتأهل. وقال مرة: ما رأيت أحداً من أصحابنا تزوج فثبت على مرتبته الأولى. وقال أيضاً: ثلاث من طلبهن فقد ركن إلى الدنيا من طلب معاشاً أو تزوج امرأةً أو كتب الحديث. وقال الحسن رحمه الله: إذا أراد الله بعبد خيراً لم يشغله بأهل ولا مال، وقال ابن الحواري: تناظر جماعة في هذا الحديث فاستقر رأيهم على أنه ليس معناه أن لا يكون له بل أن يكونا له ولا يشغلانه وهو إشارة إلى قول أبي سليمان الداراني: ما شغلك عن الله من أهل ومال وولد فهو عليك مشؤوم وبالجملة لم ينقل عن أحد الترغيب عن النكاح مطلقاً إلا مقروناً بشرط.

إن موضوع المرأة في أدبياتنا التراثية الشعبية موضوع مهم للدرس والتأويل وللأسف إن الدراسات في ذلك محدودة جدا بل إن مجمل الدراسات في هذا الباب قد تحكم في توجيهها النزعة العاطفية ونزهة الحذر المخل في نتائج الدراسة. وللأسف هناك جوانب مهمة لتشخيص حالتنا الراهنة وموقفنا من المرأة. فالتصوف الشعبي هو الذي كرس موقفاً مشيناً من المرأة خصوصاً في العصر المملوكي وما بعده ففي هذا العصر أصبحت المرأة سلعة وأداة للكسب وانتشرت في ذاك العصر بيوت المتعة، وكانت هذه البيوت إحدى موارد ميزانية الدولة ما عدا بعض الفترات القليلة جدا التي تورع فيها بعض السلاطين عن أخذ ضريبة على مداخيل هذه الدور، وأمر بإغلاقها.

*نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.