.
.
.
.

دور التحول الوطني في توطين التقنية

حمد عبد الله اللحيدان

نشر في: آخر تحديث:

في هذه الأيام بدأت المعرفة الإنسانية تأخذ منحنى أساسياً تراكمياً، إلا أن المعدل التراكمي النسبي للمعرفة أعلى من المعدل النسبي لتطبيق تلك المعرفة، مما خلق فجوة واضحة بين زيادة المعرفة وبين تطبيقاتها وبالطبع تضيق هذه الفجوة مع ازدياد تطبيق نتائج البحوث من خلال التصنيع، لذلك يوجد تنافس كبير على الصعيد العالمي للاستفادة من المعرفة العلمية وتحويلها إلى تقنية، كما أن التقدم العلمي والتقني اللذين يشهدهما العالم الأول هما العاملان الرئيسيان المسببان لاتساع الفجوة بين مجموعة الدول المتقدمة صناعياً ودول العالم الثالث.
بالإحصائيات الموثقة تبين الفارق الزمني بين ما حصل عليه الإنسان من معرفة وقام بتعميمه أو نشره منها وما تمكن من تطبيقه منها في مجالات مختلفة وهذا يعتبر من أهم أسباب التفاوت الحاصل بين الدول المتقدمة والدول الأقل نمواً أو ما يسمى اليوم الشمال والجنوب.

وعلى العموم فإن المعرفة وربيبتها التقنية أصبحتا المحك الأساسي للاقتصاد العالمي بمختلف أنواعه ومسمياته ولعل ذلك هو سبب الاهتمام في كل من:

•الثورة التقنية المتسارعة وتطبيقاتها في جميع المجالات.


•زيادة التركيز على البحث والتطوير والإبداع والابتكار لتحقيق السبق في المنافسة العالمية المحتدمة.


•العمل على تطوير أساليب جديدة في الإدارة والتنظيم، وبروز الإدارة المتفاعلة مع الظروف المتغيرة والاعتماد على فريق العمل بدلاً من المبادرات الفردية.


•التكامل بين مؤسسات التعليم العالي وقطاعات الصناعة والإنتاج والخدمات المختلفة.


•إدخال "تقنيات المعلومات" وتطبيقاتها في كافة القطاعات الاقتصادية والإدارية والاجتماعية والعسكرية والأمنية المختلفة، ناهيك عن بروز هذه التقنيات كعامل جذري في زيادة القيمة المضافة.


ولعل من أهم ما يزيد في حدة المنافسة العالمية، أو إعطاء قيمة أكبر للإبداع والتجديد وحماية حقوق الملكية الفكرية، قصر عمر السلع الجديدة، فبعد أن كانت السلع تعمر عشرات السنين في الأسواق مثل بعض الأجهزة والآلات ووسائل الاتصال والنقل والأجهزة البحثية والطبية وحدث ولا حرج، لذلك أصبح عمر السلع الجديدة لا يتعدى سنة أو سنتين وربما أشهراً وفي مقدمة ذلك برمجيات الحاسوب وتطبيقاته وكذلك كل الأجهزة والآلات التي تعتمد على تلك التقنيات وذلك كله لخدمة المردود المادي للشركات المصنعة وبالتالي الدول الحاضنة لها. ولا شك أن ذلك يدخل ضمن اقتصاد المعرفة الذي أخذ يحل تدريجياً محل الاقتصاد الريعي.

وإذا كان هذا هو حال العالم المتقدم فما بال الدول العربية التي لا تزال في حيرة من أمرها، بين استيراد التقنية المتقدمة وبين توطين تلك التقنية وتطويرها ونشرها بهدف إنتاج تقنية محلية ملائمة لأوضاعها الاقتصادية والاجتماعية وضمان استقلالها وعدم تحكم الآخرين بوسائل تعليمها وإنتاجها وإدارتها وجيشها وأمنها وغير ذلك.

إذن نستطيع أن نقول إن للعلم والتقنية أهمية كبرى في الاستقلال الوطني وفي تحقيق الأهداف التنموية، وذلك يتأتي نتيجة للنجاحات الكبيرة التي تحققت كماً ونوعاً على مستوى العالم في جميع المجالات الطبية والعسكرية والاقتصادية وغيرها من الفعاليات وكذلك التغلب على الصعوبات التي كان ينظر إليها على أنها عقبات أمام إرادة الإنسان وقدراته.

لذلك فإن امتلاك بعض الدول لمفاتيح العلم والتقنية جعلها في موقع تستطيع أن تفرض إرادتها على دول العالم الثالث ومنها الدول العربية التي ما زالت الجهود العلمية فيها متعثرة مما يمنع من لحاقها بركب الدول المتقدمة إن هي استمرت على هذا الوضع.

إن الدول النامية ومنها العربية وخصوصاً الغنية منها هي التي تدفع في الغالب ضريبة استغلال واستثمار الدول المتقدمة لمخرجات التقنية بما في ذلك الملوثات والنفايات والأدوية وكذلك تجريب الأسلحة الحديثة مثل ما حدث في حروب الخليج وهذه الأيام في العراق وسورية وغيرهما.

إن احتكار التقنية والمعرفة المتقدمة من قبل الدول المتقدمة أصبح سمة يعرفها القاصي والداني فهم لا يفرجون عن أي نوع من أنواع التقنية حتى تصبح متقادمة ولا يستطيع أن يكسر ذلك الاحتكار إلا من تسلح بسلاح العلم والمعرفة وعمل على توطينها وقام بالاستقلال العلمي غير المنعزل، ذلك أن المعرفة اليوم تؤخذ غلاباً من خلال الابداع والابتكار والاختراع والعمل والتحصيل والتدريب التفاعلي والاتصال وهذا بلا شك أحد أهداف التحول الوطني.

نعم الدول العربية والمملكة واحدة منها أمامها مهام مستعجلة للنهوض ببرامجها التعليمية والعلمية والبحثية وغربلة مكتشفاتها العلمية وتعميق طرق ومناهج البحث وتقنيات التطوير والابتكار والاختراع وذلك لأغراض التنمية في تلك المنطقة التي هي محط أنظار العالم ومطامعه، لما تتميز به من موقع استراتيجي ومصادر اقتصادية واعدة خصوصاً في ضوء الأطماع الصهيونية العالمية التي أوجدت لها إسرائيل كقاعدة انطلاق لها في المنطقة وزودتها بكل مخارج التقنية ومفاتيحها لتنمي بها اقتصادها وإدارتها المدنية وترسانتها العسكرية. وما ميزانيتها الضخمة إلا نتاج توطين التقنية المتقدمة واستثمارها، بينما العالم العربي لا يزال يستورد كل أنواع التقنية ويستخدم مظهرها دون جوهرها إلى درجة أنه لا يستطيع صيانتها أو إطالة عمرها ولو بصورة نسبية.

إن استيراد المواد الاستهلاكية مثل الأجهزة الكهربائية البسيطة أو تلك المعقدة أو الأشد تعقيداً أمر تحكمه المقدرة المالية التي تتغير من وقت إلى آخر ومن دولة إلى دولة. أما توطين التقنية فإنه يتوقف على وجود العقول التي صقلها التعليم المتميز وجعلها قادرة على التعامل مع التقنية المتقدمة وتطويرها، وهذا هو بيت القصيد الذي ينقص الدول العربية مما يجعلها في مؤخرة الركب لذلك تجدها تقوم باستيراد منتجات التقنية على نطاق واسع دون امتلاك ناصية التقنية ذاتها وما تمثله من مهارات ومعارف وممارسات وهذا بالطبع فيه هدر مالي ضخم على جميع المستويات. ليس هذا وحسب بل ان هناك سوء استخدام لبعض مخرجات التقنية.

إن التقنية أكبر من كونها مجرد آلات ثابتة أو متحركة إذ أنها تتضمن نظاماً معقداً ومتشعباً تظهر فيه جوانب ثقافية واجتماعية وفكرية وسياسية واقتصادية، فاليوم يتم إنجاز جميع المشاريع التي تحتاج إلى تقنية متقدمة بواسطة الخبرات الأجنبية وغالباً ما يتم ذلك على طريقة "تسليم المفتاح" دون أن يكون للخبرة الوطنية أي دور محدد وملموس، وأبعد من ذلك أن تكلفة تلك المشاريع تكون مبالغاً فيها إلى حد التبذير، ناهيك عن أن الشروط الظاهرية للعقود المبرمة لا يتم التقيد بها إلا اللهم القشور التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وهذا يعني أن المنطق العلمي والعملي مفقود بسبب غياب الخبرة الوطنية المؤهلة أو تهميشها من خلال الاستعانة بالشركات الاجنبية وهذا فيه خسارة مزدوجة تتمثل في أولاً: عدم الاستفادة من الخبرة التي نفذت المشروع لأنها خبرة مؤقتة انتهت فعاليتها بتسليم المشروع ولا يمكن الاستفادة منها إلا بعقد جديد، وثانياً أن تنفيذ المشاريع بواسطة الخبرات الأجنبية لن يؤدي في يوم من الأيام إلى الوصول إلى مرحلة توطين التقنية وبالتالي الاكتفاء الذاتي في مجال الخبرة الوطنية. وأعنى أن الخبرة الوطنية لو تمكنت من إنشاء أحد المشاريع فإنها سوف تصبح أكثر قدرة على تنفيذ مشاريع أكثر تطوراً من سابقتها، ذلك أن الخبرة تنمو بصورة تراكمية مع التجربة والممارسة والتطبيق، ومنحها الثقة والتشجيع والفرصة ولا شك ان هذا يعتبر من أهم أهداف مشروع التحول الوطني ورؤية 2030.

أما في الدول المتقدمة فإن الدولة لم تعد هي التي تتحكم في التقنية ومخرجاتها، ذلك أن القطاع الخاص قد تحمل تلك المسؤولية وذلك مثل الشركات الضخمة مثل ابل وميكروسوفت وغيرهما التي تنتج التقنية وتقوم بتمويل البحث العلمي وتمويل نشاطات الابتكار وتطوير التقنية خصوصاً في مجال الإلكترونيات المتقدمة التي تعتبر أبرز أنواع الصناعات في الوقت الحاضر، فبواسطتها يتم تحقيق معدل نمو أعلى في مجال الإنتاج الصناعي وتطوير أجهزة الحاسوب وأجهزة الاتصالات السلكية واللاسلكية وتقنية التحكم الآلي والاستخدامات العسكرية والمدنية الأخرى، من هذا المنطلق فإن تلك الشركات تتنافس اليوم في عمليات الإبداع والابتكار، وعمليات البحث والتطوير، وهذا ينذر بزيادة الفجوة واتساعها بين الدول المتقدمة نفسها كما هو حادث هذه الأيام بين أمريكا وأوروبا، فما بالك بالدول الأقل نمواً مثل الدول العربية؟.

وعلى أية حال فإن التجربة أثبتت أن الدول العربية ترتكب خطأ فادحاً بعدم الاتجاه إلى التكامل فيما بينها في مجالات عديدة سواء كانت سياسية أو أمنية أو عسكرية أو اقتصادية أو علمية أو بحثية أو تعليمية أو في مجال العمالة البسيطة والماهرة، إن الدول العربية من المفترض أن تشكل عمقاً استراتيجياً لبعضها البعض في جميع المجالات فقد حباها الله موقعاً متميزاً ووهبها ثروات متنوعة ناهيك عن وحدة الدين واللغة لو تكاملت مع بعضها البعض لصنعت مجداً وحضارة ولأصبحت إحدى القوى المؤثرة والفاعلة في هذا العالم المضطرب. إن جميع مقومات التقدم والقوة موجودة ولكن تحتاج إلى إرادة صادقة وثقة متبادلة وما نشاهده اليوم من فوضى وعدم استقرار إلا نتيجة حتمية للفرقة وعدم التكامل.

وعلى العموم فإن المفتاح الأساسي لتقدم هذه الأمة كمجموعة من الدول أو كدول متفرقة يتطلب الاعتماد على عمليات التحديث في جميع الفعاليات، مثل التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وعملية التحديث تتطلب توطين التقنية إنتاجاً وتبادلاً واستفادة، وإذا تحقق ذلك فإنه يعني أننا خلقنا مجتمعاً معرفياً من أهم أسس بنائه خلق المعرفة، ونشرها والاستفادة منها. إن المعرفة أخت الحكمة والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها. إن تطور المجتمعات يبنى دائماً على نظام تعليمي ناجح وبحث علمي متقدم وإن محاولة التطوير بدون هذه الوسائل يظل تطويراً ظاهرياً تذروه الرياح ويتساقط عند أول هزة لأن أساساته ضعيفة.

ولعل من أهم المعايير التي يقاس بها تقدم أي أمة من الأمم اليوم تقدمها التقني ومستواها العلمي والتربوي ومدى انفتاحها على الآخر مع المحافظة على هويتها الثقافية التي تميزها. وعلى الرغم من تراكم المعرفة الإنسانية إلا أن العالم العربي مازال يعاني من مشاكل عديدة تمس مفاصل حياته المعيشية مثل الإسكان والبطالة والتربية والتعليم وشح المياه وانحسار الرقعة الزراعية ومشاكل النقل والبيئة، ناهيك عن القضايا الأمنية والناتجة عن ترعرع الإرهاب وعدم الاستقرار، ليس هذا وحسب، بل إن مشاكل الحرب وتوسيع رقعة الصراع أصبحت جزءاً من غذائه اليومي بسبب التدخلات الإيرانية المدعومة بقوى ظاهرة وخفية.

نعم بسبب تفاقم تلك المشاكل وعدم وجود حلول جذرية لها أصبحت ثروات منطقة الشرق الأوسط مطمع الطامعين الذين أصبحوا يصلون إلى بغيتهم بأساليب متنوعة مثل نشر الإرهاب وشن الحروب وخلق الأزمات المالية عن طريق رفع الأسعار أو عن طريق إشهار الإفلاس أو استعمال الضغوط المباشرة أو غير المباشرة أو الإحاقة بالأسواق المالية، فلكل شيء سبب ومبرر لكن الأسباب والمبررات مازالت غامضة على من لا يستقل علمياً وعلى من يعتمد على الاستشارة الخارجية فقط.

نعم إن الاستفادة من تراكم المعرفة العالمية يوجب تغيير واقع الحال في كل دولة عربية وذلك من خلال جعل تطوير التعليم ودعم البحث العلمي ركيزتين أساسيتين في عملية البحث عن هوية تتمثل في خلق مجتمع المعرفة وذلك أن حلول المعضلات الإنسانية الأساسية المتعددة لا يمكن تحقيقها دون نظام تعليمي ناجح وبحث علمي متطور لأنها الأساس في الاختراع والإبداع والابتكار ولا شك أن التحول الوطني سوف يجعل ذلك على رأس أولوياته.

ولعل الجهود التي تبذلها وزارة التعليم من خلال الجامعات السعودية وفي مقدمتها جامعة الملك سعود التي تبنت عدداً كبيراً جداً من المبادرات وفي مقدمتها الكراسي العلمية ووضعت الأسس لوادي الرياض للتقنية الذي يؤمل منه أن يحقق فوائد اقتصادية من خلال تبني مفهوم اقتصاد المعرفة وذلك اعتماداً على مفهوم أن "المعرفة" هي مفتاح النمو الاقتصادي والأساس المتين لإيجاد المزايا التنافسية، وفتح الأسواق، وتحقيق المكانة واكتساب القدرة، ولا شك أن الشراكة المعرفية تدعم هذا التوجه وتؤطر لخلق مجتمع المعرفة المعول عليه في استمرار الانطلاقة لما هو أشمل وأقوى وأنجح. واليوم يأتي كل من التحول الوطني ورؤية 2030 كدافعين رئيسيين لتوطين التقنية واعتبارها جزءاً لا يتجزأ من منظومة الاصلاح والتطوير اللذين ننشدهما باعتبار التقنية الركيزة الأساسية التي يعتمد على توطينها وتطويرها ونشرها والاستفادة مفتاحاً لأي تطور نسعى إلى تحقيقه.. والله المستعان.


*نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.