.
.
.
.

مركز الحج للقيادات الشابة

طلال الجديبي

نشر في: آخر تحديث:

انبهرت بما رأيت خلال الأيام الفائتة من جهود يقدمها المتطوعون والمكلفون الشباب في خدمة الحجيج، مدنيين وعسكريين، وهم شباب قدموا من مختلف مناطق المملكة يقدمون مجهوداتهم بكل سخاء وبذل. كان الواقع، بلا مبالغة، أجمل مما تنقله وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا أمر يثير مشاعر الفخر والاعتزاز والطمأنينة. ومع ذلك، رأيت أيضا أن الفرصة المتاحة غير مستغلة بما يكفي وفسحة التطوير قابلة لأن تضاعف لنا المكاسب على المستويين الشخصي والوطني.

ثلاث سمات لتجربة الشاب المشارك في أعمال الحج تجعلها تجربة تستحق التوقف. الأولى، موسميتها، ما يسمح بالاستفادة من استقلالية مراحل الاستعداد والتخطيط والمراجعة بعد الحدث. الثانية، التجربة غزيرة بقنوات التفاعل مع الجمهور وفرق العمل الأخرى والزملاء داخل المجموعة، ما يعني ممارسة استثنائية لمهارات التواصل الفعال، أفقيا وعموديا وباستخدام قنوات متعددة وتحت ضغط المواقف المختلفة. الثالثة، على الرغم من التنوع الشديد في الخدمات والأنشطة التي يقوم بها المشارك في خدمة الحجيج، إلا أنها تشترك في مجموعة من القيم والخصائص القابلة للتقييس، وهذا يعني إمكانية تطوير برنامج للتأهيل الموحد للمشاركة في أعمال الحج، يشترك فيه المتطوعون الصحيون وفرق الكشافة وبقية المدنيين والعسكريين على السواء. من المعايير التي يمكن تقييسها أو تقديمها بشكل موحد: التأكيد على قيم البذل والعطاء، وتجسيد البعد الديني للمهام المنفذة، ومدى ارتباط بعض المهارات الحياتية بكفاءة الأداء، وآليات التعامل مع تحديات اللوجستيات والطقس والاكتظاظ، وغيرها الكثير من التفاصيل التي يمكن أن ترفع من جودة العمل المقدم وتصقل مهارات الفرد المشارك وتقدم له تجربة زاخرة لا يمكن تكرارها بسهولة.

تقوم المجتمعات المتقدمة على تأسيس شبابها إنتاجيا بثقافة العمل المهني بالاستناد إلى الأعمال الاجتماعية المبكرة، تطوعيا وبمقابل. لا تملك أي دولة أخرى ما نملك من موسم ديني عظيم مثل الحج. نحن في حاجة إلى ضبط قناة الدعم والمشاركة المجتمعية هذه وربطها بأحد أهم أولوياتنا؛ أي رفع قدراتنا الإنتاجية وتحسين ثقافات العطاء والبذل والعمل المهني.

إن وجود مركز أو رابطة للقيادات الشابة تقوم على خدمة وتأهيل وجمع الشباب المشاركين في أعمال الموسم والربط بينهم تحت مظلة واحدة يتمم جهودا عظيمة تقوم بها الجهات الحكومية والفرق الكشفية والتطوعية المختلفة. على سبيل المثال، يمكن تسجيل هذه المشاركات في مركز القيادات المقترح للحصول على التأهيل اللازم قبل موسم الحج. كذلك قد يقوم المركز باستخدام قاعدة بياناته لإعادة توزيع الأعمال والمسؤوليات حسب تجانسها وتكرارها والتنسيق بينها. وللمركز بالطبع رؤية مشتركة يؤمن بها الجميع، ويكافأ بموجبها الأفراد المميزون الذين يحظون بتقدير كل من المستفيدين وزملائهم ومشرفيهم في الفرق. هم أبطال ويستحقون الاعتراف رسميا بمنجزاتهم على المستوى الوطني، وفي ذلك نشر وتأكيد للتجارب الإيجابية الحقيقية. كذلك، يسهل المركز التواصل بين المجتمع وبين الجهات والفرق المشاركة، بالتجارب والفوائد والاقتراحات وقبل ذلك بالتسجيل والرصد. كذلك سيركز المركز على الربط بين أعمال وخدمات الحج وبين المهارات الشخصية المهمة التي تقع في قائمة أولوياتنا في الوقت الحالي، فالمشارك في أعمال الحج يحتك بأفضل مصادر وفرص ممارسة المهارات. وقد يقوم المركز بإصدار شهادة للتأهيل العام في أعمال الحج وربما وبالتعاون مع الجهات ذات العلاقة شهادات للتأهيل التطوعي المتخصص، كأعمال الضيافة (الحملات)، والتفويج، والصحة، والأمن. والأهم من ذلك كله، يحتضن لنا القيادات الشابة ويسمح بتنميتها بما يتوافق مع قيمنا وحاجاتنا.

*نقلاً عن "الاقتصادية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.