.
.
.
.

مصابو الحوادث .. بين «الصحة» وشركات التأمين

محمد آل عباس

نشر في: آخر تحديث:

نشبت مشكلة إعلامية بين شركات التأمين ووزارة الصحة حول علاج مصابي الحوادث، وترى الوزارة ــ والحق ما رأته ــ أن التأمين يغطي تكاليف العلاج، وهذا بنص اللوائح المنظمة لعمل شركات التأمين، كرأي شخصي له ما يبرره، فإني مع وزارة الصحة، فمن الطبيعي أن يحدث لك حادث، فلا معنى لتأمين السيارات إذا لم تؤمن من بداخلها، ولا معنى لكلمة تعويض الغير عن الضرر الذي يلحق بهم من الحادث إذا لم يشمل العلاج، إذا كان المواطنون لا يسألون عن حقهم في هذا الأمر نظرا لأن معظم ــ بل جميع ــ المصابين في الحوادث المرورية ينتقلون فورا إلى مستشفيات وزارة الصحة التي تقوم بعلاجهم بلا أي أجور أو طلب تعويض عن ذلك العلاج، فإن الأمر أدى في النهاية إلى استنزاف الوزارة وطواقهما الطبية دون أن تتحمل شركات التأمين نصيبها، ودون أن يشعر المجتمع بحجم تكلفة المصابين التي تبلغ المليارات سنويا، وأن 70 في المائة من الأسرة في المستشفيات أصبحت مشغولة بمصابي الحوادث.

المجتمع قلل من خطوة وزارة الصحة لأنها ستتسبب في رفع أسعار التأمين، لكن الوزارة ترد بأن هذا (من المفترض) ألا يؤثر في الأسعار لأن التأمين يشمل ذلك فعليا (وهو كذلك فعلا)، فهو يشمل دفع الديات عند الموت في الحوادث فلماذا لا يشمل العلاج؟ فالأسعار يجب ألا تتغير. لكن يجب ألا نكون مثاليين كثيرا، فالأسعار حتما ستتغير بسبب هذه الخطوة، وفعليا ليس هناك مبرر لمثل هذا التغير لكنه حتما سيحدث، طالما أمام رجل الأعمال فرصة ومبرر فإن الأسعار ستتأثر حتما. لكن مشكلة شركات التأمين في المملكة وأسعارها أعمق من هذه القضية الإدارية. مشكلة التأمين في المملكة أن الشركات غير جادة فعليا في التأمين.

التأمين معناه قيام الناس بتحمل جزء كبير من ثقافة الحفاظ على مستويات معقولة من الأمان، من قواعد السلامة والعمل، فالتأمين وسيلة ضغط على المجتمع ليرفع من مستويات الحفاظ على قواعد السلامة العامة، ولهذا فأنا مع وزارة الصحة في أن يتم تطبيق رسوم على علاج حوادث السيارات وإشغالهم للأسرة، بغض النظر عمن يدفع تلك التكاليف، المواطن أم الشركات. البعض قد يستاء من هذا الأمر (وأنا أولهم)، لكن العاقل خصيم نفسه. فمثل هذا الإجراء سيعزز من ثقافة السلامة المرورية في المملكة، حيث بلغت الوفيات في الحوادث المروية أرقاما فلكية لم تصلها قبل، إلى قريب من ثمانية آلاف حالة وفاة سنويا، وهو رقم مرعب جدا، والمملكة تعد من الدول الأولى في العالم في عدد الحوادث، وتتجاوز التكلفة السنوية 60 مليارا، وهذا كله برغم وجود تأمين يدفعه المواطن سنويا، لكن مع ذلك فإن الإهمال واللامبالاة قد وصلا حدا جنونيا في هذا الموضوع. وأي إجراء يرفع من تكلفة السيارات ويقلل عددها في الشوارع، وأن يقوم المتسبب في الحادث بتحمل تكلفة المصابين ونقلهم إلى المستشفيات، وعلاجهم، أقول أي إجراء من هذا النوع سيكون مناسبا ومقبولا، ولو أدى إلى رفع أسعار التأمين على السيارات. قد يغضب كثير من هذا الرأي وهذا المقال، لكن الشوارع ملئت بالرعب، ملئت بالاستهتار، ونحن جميعا مسؤولون عن تأمين الطريق لأسرنا، وأبنائنا.

للتطبيق يجب أولا من وزارة الصحة أن تنشئ مراكز طبية متخصصة لاستقبال حوادث السيارات، وأن يكون نقلهم وعلاجهم وفقا لرسوم مشهورة ومدفوعة. والأصل أن تقوم شركة التأمين بدفع هذه الرسوم، ولكن يجب على السائقين وملاك السيارات أيضا أن يلتزموا بقواعد السلامة المرورية وألا ينتهكوا تلك القواعد، ويجب على مؤسسة النقد أن تعدل من قواعد التأمين ولوائحه، فلا معنى أن يكون سعر التأمين بأحجام السيارات وقيمتها، وليس بمستويات الأمان فيها، فمن يشتري سيارة ذات مستويات أمان عالية من جميع الجوانب حتما سيدفع أكثر في قيمتها ممن يشتري سيارة تنخفض فيها مستويات الأمان إلى درجة حادة، ومع ذلك وبرغم انخفاض مخاطر الإصابة في السيارات الآمنة فإن أصحابها يدفعون اليوم أقساط تأمين أعلى من غيرهم.

عندما أقوم بشراء سيارة ذات مستويات أمان عالية فإنني أرغب في تجنب دفع تكاليف التأمين لقلة فرص حدوث إصابات، ولكن ما يحدث اليوم هو العكس تماما، حيث تقوم شركات التأمين برفع سعر التأمين على السيارات بحسب قيمة شرائها، مما عزز من ثقافة شراء السيارات الرخيصة ذات مستويات الأمان المنخفضة، والسبب في ذلك ببساطة أن شركات التأمين والمجتمع لا يدفعان مقابل علاج إصابات حوادث السيارات، لكن إذا تم إدخال هذا العنصر في حسابات المعادلة فستتغير حتما، فمن يشتري سيارة ذات مواصفات أمان عالية سيدفع أقل ممن يشترى سيارة ذات مواصفات أمان أدنى، وهذا بدوره سيعزز من رغبة شركات السيارات في تعزيز مستويات الأمان في السيارات، وطبعا على المواطن أن يدفع مقابل تلك التعديلات الجديدة. وكنتيجة لكل هذه العمل فإن تكلفة العلاج التي كانت تتحملها الدولة وتسببت في سرعة استهلاك أقسام الطوارئ والأجهزة والطواقم الطبية وإشغال الأسرة، سيتحملها المواطن في الوقاية من الحوادث، أو يقلل من قيمته بتقليص عدد السيارات، وأن تدفع قنطارا في وقاية من الحوادث خير من أن تدفع درهما في علاج.

إذا فتعزيز ثقافة الوقاية من الحوادث لن يتم الوصول إليها إلا إذا تحمل المواطن تكلفة العلاج من الحوادث، وهذا يوجد تغيرا هائلا في السلوك الوقائي، حيث ترتفع تكلفة التأمين على السيارات سيئة السمعة في الجانب الوقائي، وتقل على السيارات ذات المواصفات الجيدة، كما أن رفع تكلفة تشغيل وقيادة السيارات في المملكة عن طريق مثل هذه الاشتراطات سيحقق الكثير نحو هدف تقليص عدد الحوادث وكذلك حالات الوفاة.

*نقلاً عن "الاقتصادية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة