.
.
.
.

الخليج.. اللافتة الثقافية

محسن علي السُّهيمي

نشر في: آخر تحديث:

قبيل اكتشاف حقول البترول على السواحل الغربيَّة والجنوبيَّة للخليج العربي، كان مصطلح (الجزيرة العربيَّة) هو السائد عند الإشارة لثقافة وحضارة البقعة الجغرافيَّة الشاسعة المتربِّعة ما بين الخليج العربي، والبحر الأحمر، وبحر العرب، وتخوم الشام، وكان الحجاز واليمن بمكوِّنهما (التاريخيّ والحضاريّ والثقافيّ) يُعدَّان بمثابة المركزَين للجزيرة العربيَّة؛ نظرًا لكونهما الأعرق حضارةً وثقافةً، والأكثف سكانًا. الحجاز واليمن لهما تاريخهما المتجذِّر، ولهما ثقافتهما العريقة، ولهما أدوارهما الفاعلة في تاريخ الجزيرة العربيَّة، غير أنَّهما -منذ اكتشاف البترول- على سواحل الخليج العربي لم يعد لهما مركز الصدارة ثقافيًّا؛ بسبب الانفصام التاريخي الذي نتج عنه استبدال مصطلح جديد بهما هو مصطلح (الخليج). ما دعاني لاستحضار هذه المسألة هو اللقاء الذي أُجري قبل فترة في قناة الحرة مع الشاعر السعودي محمد زايد الألمعي، وتطرَّق فيه لهذه المسألة، مؤكدًا أن «الظرف الاقتصادي فرض هذه اللافتة الثقافيَّة (الخليج)، وليس الظرف الثقافي التاريخي، وأن مصطلح الخليج مصطلح جديد، وأن الالتفاف حوله كان لأسباب (جيوسياسية)، وليس لأسباب ثقافيَّة، وأن مفهوم المركز والهامش لا علاقة له بهذا الشيء؛ لأنَّنا لو تكلَّمنا عن كثافة سكانيَّة فسنتكلم عن الحجاز واليمن كمركز». مضيفًا: «إنَّ المركز والهامش تبادلا الأدوار في الجغرافيا الثقافيَّة للجزيرة العربيَّة، فأصبح هناك شكل من أشكال الانفصام التاريخي، مؤكدًا أنَّه ليس عيبًا أن يكون المركز في مكان آخر، إنَّما العيب في اختزال الثقافة وتوجيهها لمكان آخر، وهذا يشكل عبئًا تاريخيًّا». الألمعي بهذا التوصيف لم يتجاوز الحقيقة؛ فمصطلح (الخليج) لا يرتكز على عُمق تاريخي ثقافي مقارنة بالجزيرة العربيَّة ككل، أو بالحجاز أو باليمن حتَّى يصادرها جميعها، في الوقت نفسه لا يعني هذا -إطلاقًا- مصادرة الحالة الحضاريَّة الثقافيَّة الراهنة التي يشهدها الخليج، وإنَّما يعني ألاَّ يتم تغييب أو مصادرة الإرث الحضاري والثقافي لجهاتٍ أخرى تُعدُّ مراكز -لا هوامش- كالحجاز، واليمن، واختزال المسمَّى في جهة واحدة. ولتقريب الموضوع للأذهان نفترض أن دولَ (مصر والسودان وإريتريا وجيبوتي والصومال) دخلت في تكتل جيوسياسي، وأُطلق عليه مسمَّى (دول القرن الإفريقي)، فهو بهذا المسمَّى سيختزل الحضارة والثقافة المصريتَين، ويجعلهما تحت عباءة حضارة وثقافة (القرن الإفريقي) التي لا مجال للمقارنة بينهما، وبالتالي فلن نسمع -وفق هذا التكتل- مسمَّيات من قَبيل (الحضارة والثقافة المصريَّة، أو المثقف المصريّ)، وإنما سنسمع (حضارة وثقافة القرن الإفريقي، ومثقف القرن الإفريقي)، والحال نفسها عندما يوصف مثقف سعودي يقطن جنوب، أو غرب السعوديَّة بأنَّه (مثقف خليجي). وبالمجمل، فمن غير المستساغ أن نرهن (المركزيَّة) لبقعة جغرافيَّة محدَّدة؛ ذلك لأن المركزيَّة متنقلة وتنقُّلُها مرتبط بتغير الظرفين الاقتصادي والسياسي للدول، ولنا في (المدينة، فدمشق، فبغداد، فإسطنبول، فالقاهرة، فبيروت، فالرياض ... إلخ) خير مثال، ومن غير المستساغ أيضًا أن نصادر، أو نُغيّب هوية جهة ما كـ(الجزيرة العربيَّة - الحجاز...) ونتجاهل إرثها الحضاري والثقافي التاريخي بحجة انتقال المركزيَّة عنها لجهة أخرى.

*نقلاً عن "المدينة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.