الانعزال داء المستقبل
العزلة أو التفرد في اللغة تعني الابتعاد أو التنحي جانباً، قال صاحب لسان العرب: "عزل الشيء يعزله عزلاً، وعزّله فاعتزل وانعزل وتعزّل: نحَّاه جانباً فتنحى".
يتفق الباحثون على أن الإنسان مخلوق اجتماعي وبطبيعته يميل إلى العيش وسط جماعة معينة، يشعر بينها بالأمان والاستقرار والطمأنينة، وتُشبع حاجته إلى الانتماء، وتبرز شخصيته من خلالها، وتتشكل إلى حد كبير، ويتشرب معها بعض القيم والأفكار ويتعلّق بأفرادها ويقيم معهم علاقات متبادلة.
وفي حالات معينة تتعثر العلاقة ولا يتمكن من استمرار علاقته أو خلق علاقة جديدة فينسحب بعيداً عنهم ويعيش وحدةً وعزلةً. ويفضّل بعض الناس العزلة عن محيطهم الاجتماعي، لأسباب مختلفة، قد يكون بعضها معروفاً، أو لأسباب غير معروفة. وقد يختار آخرون لتفاعل داخلي مع مجريات أمور مستجدة.
وفي قرى نجد ومدنها قديما لم تكن الحالة بهذا الوضوح التي هي عليه الآن. وكان الناس إذا رأوا ممانعة من قريب أو جار ينصحونه بالنزول إلى السوق، (فيضة السوق) ولو لغير غرض محدد. ورأينا علوما أخرى حديثة قالت إن العزلة قد تكون مرضاً نفسياً يُبتلى به البعض ولها خطورتها على الصحة الجسدية والنفسية والاجتماعية للشخص والمحيطين به.
في منطقة جزيرة العرب، لو كان لي أن أدخل في التاريخ ومسببات ودواعي العزلة، لقلتُ إن قاطن الصحراء كان يسير أياما وليالي قي البرية (لا حنيس ولا ونيس). وربما أنه أعطى تلك الصفة لذريته، ورأوا فيها أنسب وسيلة لجعل حياة السرّ والكتمان رائدهُ في سيره وتنقلاته، ولأسباب عدة لعل من بينها الخوف من مخاطر الطريق، أو أن يترصد له أحد، لو علم بخطة سيره.
مسألة (لا حنيس ولا ونيس) التي أتيت عليها في الفقرة السابقة عاميّة مستعملة لغة بكثرة، تُسمّى "الإتباع" وهو فنّ من فنون لغة العرب وعلم بارز من أعلامها يتناقله العرب ويجري على ألسنتهم عفواً وسجية غير أن الكثير في الوقت الحاضر لايلتفت له ويعده أمراً متروكا ولا معنى له بينما هو جانب مهم في لغتنا العربية يعكس مدى ثرائها وغناها، وونيس معروفة، لكن "حنيس" عامل تأكيد بلاغي لا معنى له، وهو الإتباع.
أقول شيئا آخر عن العزلة المعاصرة والتي رأى فيها مجتمعنا آفة منتشرة. إن من أسبابها وجود وسائل الانشغال الإلكترونية، ووسائل الإيضاح والعرض والمرئيات. فبالإضافة إلى (الإرث القديم) الذي زعمتُ أعلاه أنه من أسباب الانعزال، شاهدنا وسائل إشغال الفرد تغزو كل منزل وينشغل بها الصغير والكبير، فمن أين له أو لها الوقت الكافي للتواصل والزيارة، وكيف سيغادر المنزل ومخاطر الطريق والتحويلات تترصد له أو لها في كل ركن من أركان المدينة التي يسكنها. فبدلا من الذهاب إلى الزيارة تقوم الرسالة النصيّة بالواجب. حتى لو نسي كلّ منا وجه الآخر.
*نقلاً عن "الرياض"